
خروج وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي في لقاء تلفزيوني رفع من خلاله سقف لهجته تجاه إسبانيا إلى حدّ المطالبة باسترجاع مدينتي سبتة ومليلية، لا يبدو مجرد خرجة إعلامية عابرة، بل أقرب إلى محاولة يائسة لإعادة توجيه الأنظار بعيدا عن الفضيحة التي انفجرت في سبتة، بعدما تحوّلت قضية القاصرين المغربيين والضحايا إلى واحدة من أكثر الملفات إحراجا للرباط في علاقتها بمدريد وفي صورتها أمام العالم.
وهبي يعرف جيدا أن إشهار ورقة سبتة ومليلية في هذه اللحظة ليس موقفا دبلوماسيا جديدا، وأن الحكومة المغربية لم تخض، حتى الآن، معركة رسمية داخل مجلس الأمن أو الأمم المتحدة من أجل تغيير وضع المدينتين الإسبانيتين، لكنه اختار رفع السقف، لأن المخزن، كلما وجد نفسه محاصرا بأسئلة محرجة، يعود إلى قاموس السيادة الوهمية والشعارات التاريخية الجوفاء، وكأن رفع الصوت قادر على محو آثار الأزمة.
القضية التي تحاول الرباط الهروب منها أكثر تعقيدا من مجرد خلاف حول الهجرة، فأحداث 30 و31 جويلية تركت وراءها قتلى ومفقودين وقاصرين وجدوا أنفسهم في قلب مواجهة سياسية لا ناقة لهم فيها ولا جمل. وبينما كانت العائلات المغربية وحيدة تبحث عن أبنائها، كانت مدريد تجمع المعطيات والشهادات وتوثّق ما جرى، في وقت بدأت جهات إسبانية تتحرك قضائيا للمطالبة بالتحقيق في المسؤوليات المغربية المترتّبة عن تلك المأساة.
والأخطر بالنسبة للمخزن أن القضية لم تعد محصورة في وسائل الإعلام، فقد وصلت إلى المحكمة الجنائية الدولية من خلال شكوى تقدّمت بها منظّمة إسبانية، طالبت فيها بالتحقيق في مسؤولية الملك محمد السادس ورئيس الحكومة عزيز أخنوش عن أحداث سبتة، لتنتقل القضية من مجرد أزمة هجرة إلى ملف يحمل أبعادا سياسية وقضائية وإنسانية، وهو ما يفسّر حجم القلق الذي يحيط بالرباط.
في هذا السياق، تأتي مطالبة وهبي بإعادة القاصرين المغربيين الموجودين في إسبانيا، فمن حقّ أي دولة أن تطالب بحماية أطفالها، لكن السؤال الذي لا يستطيع الخطاب الرسمي المغربي الهروب منه هو: كيف وصل هؤلاء الأطفال إلى سبتة أصلا؟ ومن دفع بهم إلى الحدود؟ ومن حوّلهم إلى أدوات في معركة سياسية؟ ومن يتحمّل مسؤولية النتائج عندما تحوّلت المغامرة إلى مأساة؟
فالقاصر الذي يُدفع إلى مواجهة الأسلاك والبحر والشرطة لا يمكن اختزاله في رقم داخل حسابات الضغط السياسي والابتزاز المغربي لأوروبا، وإذا كانت الرباط تريد اليوم استعادة هؤلاء الأطفال، فعليها قبل ذلك أن تجيب عن السؤال الأكبر: من زجّ بهم في هذه اللعبة من الأساس؟
ومن هنا تبدو مطالبة وهبي بسبتة ومليلية أشبه برقصة الديك المذبوح.. فبعد أن فشلت ورقة الضغط على الأرض، انتقل التصعيد إلى شاشة التلفزيون، وبعد أن كان المطلوب، وفق هذه القراءة، صناعة أزمة على الحدود الإسبانية، أصبح المطلوب الآن صناعة معركة إعلامية حول السيادة الوهمية، علّها تطغى على الأسئلة التي خلّفتها مأساة سبتة.
لكن المشكلة أن سبتة ومليلية ليستا ورقة يمكن للمخزن تحريكها متى شاء.. فإسبانيا تعتبرهما جزءا من أراضيها، وأي محاولة لتغيير الوضع القائم بالقوة تعني الدخول في مواجهة مع دولة عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. ولذلك فإن الحديث عن “استرجاع” المدينتين في لقاء تلفزيوني لا يغيّر شيئا من الواقع السياسي والقانوني، بل يكشف حجم الهوّة بين الخطاب الذي تريد الرباط تسويقه وبين قدرتها الفعلية على تحويله إلى موقف دبلوماسي قابل للتنفيذ.
من اتخذ قرار إرسال آلاف المغربيين في عيد عرش الملك باتجاه سبتة لم يقرأ جيدا عواقب هذه الخطوة في حال فشلها، وربما كان الرهان أن تتحول الحدود إلى ورقة ضغط، وأن تجد إسبانيا نفسها أمام أزمة يصعب احتواؤها، لكن النتيجة جاءت معاكسة تماما. الأزمة لم تختفِ، والضحايا لم يختفوا، والقاصرون لم يختفوا، والأسئلة لم تختف، بل أصبحت كلها جزءا من ملف أكبر.
لقد فشلت المغامرة، وبدل أن يخرج المغرب منها بصورة الطرف الذي فرض شروطه، وجد نفسه في مواجهة تداعياتها، ولذلك بدأ المخزن يخبط خبط عشواء.. تصريح هنا، وتهديد هناك، وإشهار لملف سبتة ومليلية، ومحاولة لإعادة ترتيب المشهد إعلاميا بعدما خرجت الأمور كليا عن السيطرة.
وهذه هي المفارقة الكبرى: الذين أرادوا استخدام الأطفال للضغط على إسبانيا يجدون أنفسهم اليوم يطالبون إسبانيا بإعادة الأطفال، والذين أرادوا تحويل سبتة إلى نقطة ضغط على مدريد يعيدون اكتشاف سبتة في الخطاب السياسي بعدما تحولت الأزمة إلى عبء على الرباط؛ والذين أرادوا استعراض القوة أمام الحدود يجدون أنفسهم أمام أسئلة عن المسؤولية والضحايا والمفقودين.
أما خرجة وهبي، فهي ليست إلا نموذجا لهذا التخبّط.. فحين تضيق الخيارات، ترتفع اللهجة؛ وحين تصبح الأسئلة محرجة، تُحيا قضية سبتة ومليلية؛ وحين تفشل الحسابات، يتحوّل الخطاب إلى استعراض أجوف للسيادة الوهمية.. لكن الاستعراض لا يغيّر الوقائع.
المخزن خسر رهان سبتة، بل ووجد نفسه يرقص رقصة الديك المذبوح حولها؛ وكلما ارتفع صراخه، بدت الورطة أكبر من أن يخفيها خطاب تلفزيوني.




