حين يعانق صهيل الخيل حلاوة الكرز في قسنطينة

في أواخر ظهيرة يوم جمعة مشمس، اختلطت رائحة البارود بعبق الطبيعة الخضراء في بلدية عين عبيد بولاية قسنطينة ( شرق الجزائر). هنا، لا يكتفي الزائر بالمشاهدة، بل ينخرط بكل حواسه في تظاهرة فريدة حملت عنوان “تراثنا… الفروسية والكرز”. تحت رعاية وزارتي الشباب والرياضة، والفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري، تحول المركب السياحي “نجم الشرق” إلى لوحة فسيفسائية حية، تذوب فيها الفوارق بين أصالة الماضي ودهشة الحاضر، وبين متعة الزراعة وإثارة الرياضة.
سياحة فلاحية.. قطاف الكرز بأيادٍ جزائرية
رحلتنا في هذا الفضاء المفتوح بدأت من حيث تنبع الحياة؛ من بساتين الكرز الممتدة. بين الأشجار المثمرة، انهمكت نساء وفتيات في قطف حبات الكرز الناضجة في مشهد ريفي بديع. لم تكن هذه مجرد عملية جني لمحصول تشتهر به المنطقة، بل كانت تجسيداً حقيقياً لمفهوم “السياحة الفلاحية”. لقد أتيحت الفرصة للعائلات والزوار للتجول بين البساتين، والمشاركة في الاحتفاء بخيرات الأرض، ليصبح الكرز القسنطيني التوقيع الأبرز لأولى محطات هذا المهرجان.
من الأرض إلى السماء..جرعة أدرينالين وترفيه
لم يقتصر الأمر على هدوء الطبيعة، فسرعان ما جذبت السماء أنظار الحاضرين. طائرات شراعية (Parapente) حلقت في الأفق، حيث قدم المشاركون عروضاً مبهرة عكست مهارة ودقة عاليتين، مانحين التظاهرة طابعاً رياضياً استعراضياً.
وبالعودة إلى الأرض، وفي خطوة لدمج مختلف الأجيال، افتتح المركب صالة ألعاب من الجيل الأخير، لتشكل ملاذاً ترفيهياً متكاملاً للأطفال والشباب، مما جعل المكان نقطة التقاء مثالية تلبي شغف الاستكشاف لدى الكبار، وتوفر المتعة للصغار.
ميدان الفروسية.. قلب المهرجان النابض
كلما اقتربنا من ميدان الفروسية، تغير إيقاع المكان تماماً. صهيل الخيل، وقع الحوافر الغاضبة على التراب، ورائحة البارود الناتجة عن طلقات بنادق الفرسان، شكلت مجتمعة مشهداً فنياً مهيباً.
عروض الفنتازيا التقليدية خطفت الأنفاس، حيث أظهر الفرسان انسجاماً مطلقاً مع جيادهم وسط زغاريد النساء وتصفيق الجمهور.
ولأن التراث لا يكتمل إلا بتنوعه، تحول الميدان إلى مسرح مفتوح تعاقبت عليه مختلف الطبوع الفنية الجزائرية، على غرار إيقاعات القرقابو وموسيقى الطوارق: قدمت الفرق المحلية لوحات فلكلورية مستوحاة من عمق الصحراء والجنوب الجزائري.
أما الفرق النحاسية فقد أضفت طابعاً احتفالياً بهيجاً بفضل مقطوعاتها الإيقاعية المتناسقة. إلى جانب معارض الحرفيين، حيث خصصت مساحات مخصصة للصناعات التقليدية أبرزت براعة الحرفي الجزائري.
وتخلل الحدث، عرض للأزياء التقليدية، حيث تم استعراض أنيق للألبسة التقليدية الرجالية، عكس ثراء وتنوع الهوية الثقافية لمختلف مناطق الوطن.
التراث كمحرك للتنمية
خلف هذا المشهد الاحتفالي المنظم، تقف رؤية واضحة لترقية السياحة الداخلية. في تصريح على هامش الفعاليات، أوضح فوزي صحراوي، محافظ التظاهرة ومدير المركب السياحي “نجم الشرق”، البعد الاستراتيجي لهذا الحدث:
“نسعى من خلال هذا المهرجان، الذي سيستمر طيلة فصل الصيف، إلى إبراز التراث الوطني وترسيخ ثقافة السياحة الفلاحية. لقد خلقنا رابطاً بين التراث الفروسي الأسطوري ومحصول الكرز الذي يرمز لولاية قسنطينة. هدفنا هو إحياء الموروث الثقافي المحلي، وجعل قسنطينة وجهة سياحية قادرة على استقطاب الزوار بفضل مقوماتها المتكاملة.”
أثنى صحراوي على الدعم المقدم من السلطات الولائية والوزارات الوصية، مؤكداً أن نجاح هذا الموعد الثقافي يثبت أن الاستثمار في التراث والطبيعة هو رهان رابح للسياحة الداخلية.
انقضى اليوم الأول من التظاهرة، لكن أصداء البارود وعبق الكرز ظلت عالقة في الذاكرة. مهرجان “تراثنا… الفروسية والكرز” ليس مجرد حدث عابر، بل هو دعوة صريحة للجزائريين لإعادة اكتشاف بلادهم، حيث يمكن لقطف ثمرة، أو الاستماع لإيقاع محلي، أو تأمل فارس على صهوة جواده، أن يعيد ربط الإنسان بجذوره في قالب سياحي عصري ومتجدد.




