حمادو تيني: الجزائر والنيجر تبنيان أساساً متيناً يشكّل العمود الفقري الذي يحتاجه الساحل
يتجاوز مجرد سلسلة مشاريع
أكد وزير البترول لجمهورية النيجر، حمادو تيني، أن بلاده والجزائر تبنيان بالفعل أساساً متيناً يتجاوز مجرد سلسلة مشاريع، وأوضح أن هذا النظام سيشكّل العمود الفقري الذي يحتاجه الساحل.
وفصّل حمادو تيني، خلال نزوله ضيفاً على برنامج “نقطة ارتكاز” لقناة الجزائر الدولية سهرة أمس الجمعة، في المشاريع الطاقوية التي تعمل عليها النيجر والجزائر وتتجاوز بعضها إطار التعاون الثنائي، معرباً عن شكره لوزير الدولة وزير المحروقات الجزائري محمد عرقاب على كامل الاستعداد لمرافقة النيجر في قطاع المحروقات. وأشار تيني إلى أن التعاون بين النيجر والجزائر دخل مرحلة العمل اليوم، والطموح هو الربط بين مشاريع الاستكشاف، والإنتاج، والتحويل، والنقل، وتأهيل الكوادر لخلق قيمة مضافة أكبر للنيجر والمنطقة، وهو تعاون يشمل عدة ملفات ملموسة يحرز فيها الطرفان تحسناً وتثبيتاً كبيراً.
لا نبحث عن خبرة عابرة ونريد للجزائر دور الشريك الاستراتيجي
ومن مشروع كفرا إلى بيلما وزندر، قال حمادو تيني إن النيجر ترغب في ترسيخ شراكة طويلة المدى مع الجزائر، وإن “الدور الذي نريده للجزائر هو دور الشريك الاستراتيجي، وكذلك دور الشريك في بناء الكفاءات”. وأشار الوزير النيجري إلى الخبرة الهائلة التي تمتلكها الجزائر في مجال المحروقات، بينما تمتلك بلاده موارد ما زالت تنتظر التطوير إلى حد كبير، وقال: ” يمكننا بناء علاقة قائمة على التكامل: الموارد من جانبنا، والخبرة والتكنولوجيا والكفاءات والقدرات الصناعية من الجانب الجزائري”. وتابع بالقول إن التعاون الذي نريده يعود بالفائدة المباشرة على كلا البلدين، وأن يسهم بالدرجة الأولى في تنمية منطقة الساحل.
وأشار حمادو تيني إلى مشروع كفرا الذي شهد في 13 أغسطس 2026 إطلاق رئيسي وزراء البلدين أعمال حفر أربعة آبار دخلت مرحلتها التشغيلية ووصلت إلى عمق 700 متر. كما يفتح، حسبه، تطوير الرقعة النفطية “بيلما” آفاقاً أوسع بكثير للتعاون في مجال الاستكشاف بين الشركتين الوطنيتين “سوناطراك” الجزائرية و”سونديب” النيجرية، بالإضافة إلى تثمين النفط النيجري، لا سيما من خلال تعزيز جانب التحويل. وأكد أن نيامي طلبت وحصلت من الجزائر على المرافقة لإعداد وإجراء الصيانة الكبرى الرابعة لهذه المصفاة المماثلة لمصفاة أدرار، وقد بدأت فرق العمل بالفعل والدراسات جارية، ويُنتظر زيارة وفد جزائري أكتوبر القادم للمضي قدماً في التحضيرات.
ويؤكد وزير البترول النيجري أن التعاون مع الجزائر يحرز تقدماً ملموساً على غرار مشروع كفرا وأنبوب الغاز العابر للصحراء، بالإضافة إلى ملف التكوين ونقل التكنولوجيا، مشدداً على أن النيجر تريد للجزائر دور الشريك الاستراتيجي. وأوضح حمادو تيني، في سياق حديثه عن التعاون مع سوناطراك، أن النيجر لا تبحث عن مجرد خبرة عابرة لمشروع ما، وإنما ترغب في ترسيخ التعاون على المدى الطويل وبناء شراكة حقيقية مع الجزائر يمكن لشركة سوناطراك من خلالها التدخل وفق صيغ يحددها الطرفان عبر كامل سلسلة القيمة النفطية من الاستكشاف، وتقييم الموارد، وتطوير الحقول، إلى الدراسات الفنية والصيانة، ونقل الخبرات، وتحويل المحروقات محلياً، وحتى التسويق. وأضاف أن المسألة الجوهرية بالنسبة للنيجر هي نقل الكفاءات والخبرات، وقال: “نريد لكل مشروع دولي – ولا سيما سوناطراك – أن يورث كفاءات وبنى تحتية وشركات وكوادر نيجيرية قادرّة على تولي المسؤوليات تدريجياً. هذه هي المقاربة التي نطمح إلى تطويرها مع سوناطراك”.
وفي حديثه عن مقدرات النيجر الطاقوية، قال حمادو تيني إن الحديث عن إمكانيات تقارب 2.5 مليار برميل وموارد محتملة تحتاج إلى تأكيد، وهذا تحديداً هو الهدف من حملة الحفر الجديدة. وأشار إلى مشروع كفرا الذي يتقدم بشكل ممتاز ويتجاوز عمق 700 متر من الحفر، قائلاً إن الهدف من الآبار الأربعة هو الإجابة بدقة عن أربعة تساؤلات رئيسية تتمثل في: معرفة الامتداد الحقيقي للمكمن، وخصائص النفط المكتشف، والكميات القابلة للاستخراج تقنياً واقتصادياً، وكذا الظروف الملائمة للمضي في التطوير الصناعي للحقل للتوصل إلى قاعدة بيانات أمتن لتحديد مخطط تطوير حقل كفرا وتحديد حجم المورد بدقة ثم إقرار مستوى الاستثمار المطلوب، مؤكداً أن طموح النيجر واضح وجلي، وهو تجاوز مجرد استخراج الخام نحو التصنيع والتحويل. وقال إنه في حال تأكدت خصائص النفط الخام في كفرا عبر الدراسات الفنية، فسيتم دراسة سبل تثمينه محلياً وبحث إمكانات إنتاج البيتومين ومشتقات المحروقات التحويلية الأخرى، وأوضح أن المراحل القادمة في كفرا ستكون علمية وتقنية أولاً لتتيح لاحقاً اتخاذ قرارات صناعية، معتبراً أن المشروع يمثل نموذجا لحضور الخبرة الجزائرية عبر سوناطراك وفروعها إلى جانب الكفاءات والمؤسسات النيجرية.
وشدّد المتحدث على أهمية نقل الخبرات الجزائرية في المجال إلى النيجر لبناء جيل من المهندسين النيجريين وآلية لنقل الكفاءات، وأن يكون المهندسون والتقنيون النيجريون حاضرين في جميع مراحل المشروع من الدراسات، وأعمال الحفر، والإنجاز، وحتى إدارة المشاريع. وأشار إلى رغبة بلاده في تطوير برامج تدريبية مستهدفة مع شركائها في الجزائر؛ وقال إن المسألة لا تقتصر على مجرد إرسال بعض الكوادر النيجريّة، بل إرساء آلية حقيقية لنقل الخبرات والكفاءات من خلال تدريب عملي وفترات تدريبية ميدانية في المنشآت بالجزائر، وبمشاركة خبراء ومهندسين ومختصين جزائريين في النيجر، وحينما يكون ذلك ممكناً تشكيل فرق عمل مشتركة نيجرية-جزائرية في مشاريع معينة. ولخص أن الهدف على المدى البعيد تمكين النيجريين من إدارة حصة متزايدة من العمليات، وهذا ما يمثل بالنسبة لنيامي شراكة مستدامة.
التعاون مع الجزائر يمكن أن يشمل حقولاً أخرى
ورداً على سؤال بشأن توسيع نطاق الشراكة لتشمل حقل “بيلما” ورقعاً أخرى، قال وزير البترول لجمهورية النيجر، حمادو تيني، إنها تشمل بالفعل أفقاً مهماً آخر، وقال: “لذا نريد أولاً المضي قدماً بشكل منظم فيما يخص الشروط الفنية والقانونية والاقتصادية، بما يتيح لنا تحديد الإمكانات الكامنة في هذا الحقل (بيلما) بدقة، وبعد ذلك سنحدّد الرقع الضرورية التي تمتلك أفضل الإمكانات وتحديد شروط تطويرها واختيار الشركاء الذين يمتلكون القدرات الفنية والمالية اللازمة، وسوناطراك في هذا الصدد شريك جيد”. وأكد إمكانية أن يشمل التعاون مع الجزائر حقولاً أخرى، على أن يخضع كل مشروع لدراسة وتقييم لتحقيق هدف بناء محفظة مشاريع نفطية بين النيجر والجزائر.
وأشار تيني إلى أن بلاده تكرّر محلياً 20 ألف برميل يومياً، وتصدّر نحو 90 ألف برميل من أغاديم عبر ميناء سيمي في بنين، وأوضح أن مسارات العمل مع الجزائر في هذا المجال تتضمن مصفاة “زندر”، حيث طلبت النيجر الخبرة الجزائرية لتعزيز الأداء، وخاصة التحضير لعملية الصيانة الشاملة المقرّرة في عام 2027. وفيما يتعلق بالتسويق، كشف تيني أن بلاده طلبت دعم سوناطراك لتعزيز قدراتها التفاوضية والتحكم في عقود تسويق الخام النيجري، قائلاً: “يتعين علينا التحكم بشكل أفضل في أسواقنا وعقودنا وقدراتنا التفاوضية، ولهذا السبب طلبنا دعم سوناطراك في هذا المجال. بالنسبة للتحويل أيضاً، وذلك على المدى الطويل لإنتاج مادة الأسفلت ومصانع البتروكيماويات”، وأعلن عن عزم الطرفين إبرام اتفاقيات أخرى.
أنبوب الغاز العابر للصحراء.. بنية تحتية استراتيجية ذات بعد إقليمي
وبشأن مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، أكد وزير البترول النيجري إحراز تقدم في هذا المشروع الإقليمي الرئيسي والعمل على التوافق مع الجدول الزمني للجزائر، وقال إن التقرير النهائي للدراسة المحدثة التي أعدها المكتب الاستشاري تم اعتماده بالفعل في 3 يوليو 2026 في الجزائر العاصمة، وفي اليوم التالي أطلق الشق الجزائري في أولف بمنطقة أدرار. وأضاف أن أولوية الجانب النيجري هي تأمين المسار والحصول على التراخيص للجزء الخاص بها بهدف الالتزام بنفس الجدول الزمني مع الجزائر، موضحاً أنه سيتم حشد الفرق ابتداءً من أوائل شهر أكتوبر للتمكن من تحديد واستكمال المسار والدراسات التوبوغرافية.
وركز ضيف “نقطة ارتكاز” على الأبعاد الاستراتيجية لمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء بالنسبة للنيجر بالقول إن المشروع ليس مجرد ممر، بل بنية تحتية استراتيجية؛ حيث ستتمكن النيجر من الاستفادة من رسوم العبور وتثمين مواردها الغازية، وأشار إلى أن جدول المشروع أوسع بكثير من ذلك، فهو سيسهم بالتأكيد في تطوير السوق الغازية تدريجياً في النيجر، ودعم التصنيع، وتمكين تنمية الأنشطة المستهلكة للغاز على طول المسار بأكمله. وأكد حمادو تيني أن رؤية النيجر لمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء تقوم على عدم اعتبار خط الأنابيب مجرد أنبوب لتصدير الغاز فحسب، بل التفكير في كيفية تمكين هذا الغاز من تطوير توليد الكهرباء، والصناعة، وتحويل النشاط الاقتصادي والبنية التحتية على طول الممر. وقال إن هذا البعد هو ما سيمنح مشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء أهميته الاستراتيجية بالنسبة للنيجر ولمنطقة الساحل برمتها.
وأوضح حمادو تيني أن أولوية النيجر هي التفكير في كافة الأنشطة الاقتصادية التي ستطورها على امتداد ممر أنبوب الغاز العابر للصحراء، وقال: “نحن نفكر بالفعل فيما سيتيح الغاز تطويره على طول الممر، وخاصة تطوير أنشطة توليد الكهرباء، وسنقوم بتحليل أنواع المحطات والمواقع المناسبة لإنشائها، وكذلك الصناعات التي تحتاج إلى الطاقة وصناعات التحويل، بما في ذلك الأنشطة الزراعية وإنتاج الأسمدة”. وأضاف أن بلاده تدرس أنشطة اقتصادية ومشاريع بنية تحتية أخرى ستقيمها على طول الممر. وشدّد على أن الهدف الحقيقي هو المساهمة في تنمية السوق الغازية في النيجر والمنطقة بأسرها، فضلاً عن إتاحة وصول النيجر وباقي دول الساحل أيضاً إلى البحر الأبيض المتوسط.
وختم وزير البترول النيجري حديثه بالتأكيد على أن النيجر والجزائر تبنيان الأسس والقواعد لمنظومة طاقوية مشتركة لدعم الساحل، مستدلاً بعدد المشاريع القائمة من كفرا إلى بيلما وزندر وكذا خط أنابيب الغاز العابر للصحراء ببعده الإقليمي، يضاف إليها التدريب والتكوين كخيط ناظم لكل هذه العناصر، وشدّد على أن المشروع الاستراتيجي الحقيقي هو الربط بين هذه المبادرات وتكاملها.




