
لم تعد قضية التراث الجزائري مجرد خلاف ثقافي عابر أو نقاش موسمي يشتعل على مواقع التواصل الاجتماعي ثم يخبو بعد أيام. ما يحدث اليوم يتجاوز ذلك بكثير، إذ بات أشبه بحرب استيلاء حقيقية تستهدف الموروث الحضاري الجزائري بكل مكوناته، من الأزياء التقليدية إلى الأغاني الشعبية، ومن الفنون التراثية إلى المطبخ والعادات والتقاليد التي تشكل جزءا من الذاكرة الجماعية للشعب الجزائري.
وفي كل مرة يعتقد الجزائريون أن فصلا من هذه الحرب قد انتهى، تظهر واقعة جديدة تؤكد أن المسألة ليست أخطاء فردية معزولة، بل محاولات متكررة ومستمرة لطمس الهوية الأصلية لعناصر ثقافية جزائرية وإعادة تقديمها للعالم تحت مسميات أخرى.
آخر هذه الوقائع برزت خلال عرض ثقافي نظمه لويفيتون واحتضنته مدينة مونفرماي بضواحي باريس، حيث شاركت وفود من بلدان مختلفة بأزيائها وموروثها الثقافي. وبينما ظهرت الجزائر ممثلة بالحايك الجزائري وبأغان تعكس أصالة تراثها، فوجئ عدد من الحاضرين بخروج الوفد المغربي على وقع أغنية شاوية جزائرية، في مشهد أعاد إلى الواجهة الجدل المتواصل حول محاولات الاستيلاء على عناصر من التراث الجزائري ونسبها إلى المغرب.
ولعل ما يجعل هذه القضية أكثر خطورة هو أنها لم تعد تقتصر على الأزياء أو الأغاني فحسب، بل أصبحت تمس مختلف مكونات الهوية الثقافية الجزائرية. فخلال السنوات الأخيرة تتكرر محاولات نسب أزياء تقليدية جزائرية وأطباق شعبية وعناصر فنية وموسيقية وتقاليد متجذرة في التاريخ الجزائري منذ قرون، إلى المغرب.
إن ما يلفت الانتباه في هذه المحاولات هو طابعها المتكرر والمنهجي. فكلما نجح الادعاء في الانتشار بشأن عنصر تراثي معين، انتقل الجدل إلى عنصر آخر، وكأن الأمر يتعلق باستراتيجية قائمة على التوسع التدريجي في الاستحواذ الرمزي على مكونات الهوية الثقافية الجزائرية. فالتراث ليس مجرد أغانٍ أو أزياء أو وصفات طعام، بل هو ذاكرة الشعوب، وعنوان وجودها التاريخي، وإحدى أهم أدواتها في تأكيد شخصيتها بين الأمم.
وقد أثبتت التجارب العالمية أن أخطر أشكال الصراع ليست تلك التي تستهدف الأرض فقط، بل تلك التي تستهدف الذاكرة. فحين يُنتزع التراث من أصحابه، لا تُسرق قطعة قماش أو لحن موسيقي فحسب، بل تُسرق رواية تاريخية كاملة، ويُعاد تشكيل الوعي الجماعي للأجيال القادمة على أسس مزيفة.
وما يزيد من خطورة هذه الظاهرة أن تكرار الادعاءات يمنحها مع مرور الوقت حضورا إعلاميا واسعا، فتتحول الأكاذيب المعاد إنتاجها باستمرار إلى روايات متداولة لدى جمهور لا يعرف شيئا عن الحقائق التاريخية. وهكذا تصبح المعركة غير متكافئة بين أصحاب التراث الأصليين وبين من يسعون إلى إعادة تسويق ذلك التراث لأنفسهم أمام الرأي العام الدولي.
إن التراث الجزائري ليس ملكا لجيل واحد، بل هو حصيلة آلاف السنين من التاريخ والتراكم الحضاري الذي صنعته حضارات متعاقبة تعاقبت على هذه الأرض. ومن حق الجزائر أن تدافع عن هذا الإرث، وأن ترفض كل محاولات طمسه أو مصادرته أو إعادة تسويقه خارج سياقه التاريخي الحقيقي.
فما يجري اليوم ليس مجرد خلاف حول أغنية أو لباس أو رقصة شعبية، بل هو صراع على الذاكرة والهوية والانتماء. وإذا كانت الحروب التقليدية تُخاض بالجيوش والأسلحة، فإن حروب العصر الحديث تُخاض أيضا بالصور والأغاني والأزياء والرموز الثقافية. وفي هذه الحرب تحديدا، يبدو أن التراث الجزائري أصبح هدفا لمحاولات استيلاء متواصلة لا تتوقف عند حد، ولا تتردد في استغلال أي منصة أو مناسبة أو حدث دولي من أجل إعادة إنتاج روايات لا سند لها من التاريخ.
ولهذا فإن الدفاع عن التراث الجزائري لم يعد خيارا ثقافيا فحسب، بل أصبح واجبا حضاريا يتعلق بحماية الذاكرة الوطنية وصون أحد أهم مقومات الشخصية الجزائرية أمام محاولات المصادرة والتشويه والاستحواذ.




