
في المغرب، لا يبدو أن الأمر يتعلق دائما بمن يملك المال، بل بمن يملك القدرة على الوصول إلى مفاتيح الثروة والنفوذ. وآخر فصول هذه المعادلة يأتي من قلب الدار البيضاء، حيث عاد مركب ليدو التاريخي إلى الواجهة بعد عملية أثارت أسئلة حادة حول طريقة انتقال استغلال واحد من أكثر المواقع السياحية أهمية على كورنيش عين الذئاب إلى شركة مرتبطة بـ«أطلس هوسبيتاليتي»، الذراع الفندقية لـ«ألمدى» القابضة التابعة للقصر الملكي، وفق تحقيق نشره موقع «لو ديسك» المغربي.
القصة، كما يكشفها التحقيق، بدأت في توقيت لافت. ففي السابع عشر من أوت، وفي ذروة العطلة الصيفية، اجتمع مجلس مدينة الدار البيضاء في دورة استثنائية للنظر في ملف يعود إلى أكثر من عقدين. وبينما بدا الأمر في ظاهره مجرد إجراء إداري يتعلق بمستقبل مركب ليدو، انتهت الجلسة بالموافقة على مبدأ نقل عقد الإيجار إلى شركة جديدة مرتبطة بـ«أطلس هوسبيتاليتي».
لكن المفارقة التي تجعل الملف أكثر إثارة لا تكمن في انتقال الاستغلال وحده، وإنما في الطريقة التي تمت بها العملية. فبحسب مصادر «لو ديسك»، لم تُطرح صفقة جديدة للمنافسة، ولم يتم إطلاق طلب عروض، بل جرى نقل عقد الإيجار القائم منذ عام 2001 من شركة «بلين سيل» إلى شركة «كالوَا»، التي يقول التحقيق إنها مرتبطة بـ«أطلس هوسبيتاليتي» ولم تكن قد تأسست إلا قبل أسابيع قليلة من التصويت.
هنا تحديدا تبدأ الأسئلة الثقيلة: لماذا لم يُفتح الموقع أمام منافسة حقيقية؟ لماذا ظهرت الشركة المستفيدة قبل أسابيع فقط من التصويت؟ ولماذا اختيرت دورة استثنائية خلال عطلة الصيف لتمرير ملف بهذه الأهمية؟ والأهم: هل نحن أمام استثمار سياحي عادي، أم أمام نموذج آخر من نماذج تمدد رأس المال المرتبط بمراكز النفوذ داخل الاقتصاد المغربي؟
الأكثر دلالة أن التحقيق نقل عن مصدر من رئاسة الجماعة عبارة شديدة الإيحاء، حين نُصح الصحفي، عند سؤاله عن الملف، بألا يكتب عنه. وفي المقابل، يشير التحقيق إلى أن اسم الجهة المستفيدة لم يظهر بوضوح خلال الجلسة، رغم حضور ممثلين عن الصحافة.
وهكذا يتحول ليدو من مجرد مركب سياحي إلى مرآة أوسع لطبيعة العلاقة بين السلطة والثروة في المغرب. فـ«ألمدى» ليست مجرد شركة عابرة في المشهد الاقتصادي المغربي؛ والتحقيق نفسه يصف «أطلس هوسبيتاليتي» بأنها الفرع الفندقي لهذه القابضة. ولذلك فإن انتقال موقع استراتيجي على كورنيش الدار البيضاء إلى شركة مرتبطة بها يفتح الباب واسعا أمام التساؤل حول حدود التداخل بين النفوذ الملكي والمجال الاقتصادي.
إنها صورة تختصرجبروت منظومة تتقاطع فيها السلطة والمال والعقار والسياحة في مساحة واحدة. فحين تصبح المواقع الأكثر قيمة في المدن الكبرى جزءا من دائرة الشركات القريبة من مراكز النفوذ، فإن السؤال لا يعود فقط: من سيعيد تأهيل ليدو؟ بل يصبح: من يقرر لمن تذهب الأصول الأكثر قيمة، وبأي شروط، وتحت أي مستوى من الشفافية؟
وليس ليدو حالة معزولة بالضرورة عن هذا السياق. فقد نشر «لو ديسك» نفسه في مارس 2026 تقريرا عن صندوق «ألفا فيست» الذي قال إنه شارك في تأسيسه الأمير رشيد، شقيق الملكأ محمد السادس، وأن الصندوق يتجه إلى توسيع نشاطه نحو تثمين الأصول العقارية.
وهنا تتضح الصورة أكثر: العائلة الملكية ليست حاضرة في المشهد المغربي فقط باعتبارها مؤسسة ملكية، بل تظهر أيضا عبر شبكة من المصالح والاستثمارات والكيانات الاقتصادية المرتبطة بأفراد منها أو بمجموعات ذات صلة بالقصر. ومن هذه الزاوية، يصبح ملف ليدو أكثر من صفقة فندقية؛ إنه اختبار جديد لمدى قدرة الاقتصاد المغربي على الفصل بين النفوذ السياسي والثروة.




