آخر الأخبارأفريقياالجزائرالدبلوماسية

بخطوات ملموسة ومشاريع واقعية.. الجزائر تؤسّس لفضاء أفريقي مترابط ومتكامل  

يجمع الخبراء والمتابعون للشأن السياسي والدبلوماسي أن عودة الجزائر إلى منطقة الساحل ليست مجرد تصريحات منفصلة عن الواقع، ويثبت الحراك الجزائري الأخير أن هذا التحرك هو قيادة لقاطرة التكامل الإفريقي الذي يدخل في قلب الاستراتيجية الجزائرية اتجاه القارة.

وشرّح برنامج “نقطة ارتكاز” على قناة الجزائر الدولية في عدده سهرة أمس الجمعة والذي استضاف خبراء عسكريين وسياسيين العودة القوية للجزائر إلى منطقة الساحل لملء فراغ عجزت عنه الدول الأخرى وحتى الحليفة.

وأوضح أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة كاليفورنيا، البروفيسور حمود صالحي، أن الاستراتيجية الأمنية مبنية على الدفاع عن التراب الوطني والحدود الشاسعة التي تربط الجزائر بدول الساحل الإفريقي، والجانب الأخر مرتبط بالتنمية، وأضاف أن الهدف الأساسي هو خلق أرضية لبناء منطقة مستقرة تخدم مصالح الشعوب الإفريقية في مقاربة أساسها احترام سيادة هذه الدول كاملة وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. واعتبر المتحدث أن التجربة الجزائرية (مثل ميثاق المصالحة الوطنية) ومبادئها الراسخة القائمة على مبدأ “رابح – رابح” تشكل نموذجاً يُستفاد منه لدعم الاستقرار في دول المنطقة مثل مالي.

فراغ لا تملؤه إلا الجزائر..

وقال الباحث المختص في قضايا الساحل الإفريقي من مالي، محمد ويس المهري، إن الفترة التي مرت بها منطقة الساحل أثبتت بشكل كبير للجميع ولدول الساحل وخارجها أن الفراغ الذي تركته الجزائر في منطقة الساحل لا يمكن لأي دولة أن تسده حتى الدول الحليفة، مشيرا إلى الدور الجبار للجزائر في إفريقيا ومنطقة الساحل الذي يرتكز على الواقعية والبراغماتية في التعامل مع القضايا المهمة وحل الأزمات. واستدل ضيف “نقطة ارتكاز” بتسارع عمليات التعاون السياسي والأمني والاقتصادي بين الجزائر ودول المنطقة منها مع النيجر ومالي والزخم الكبير في العلاقات بين الجزائر وباماكو والتحسن الملحوظ في ملفات كانت تؤرق مالي، وبداية تحرك كبير لحل الأزمات نتيجة لعودة الجزائر للمنطقة. وأكد محمد ويس المهري أن دول الساحل تدرك أهمية الدور الجزائري لما يتمتع به من واقعية وبراغماتية في معالجة القضايا المعقدة والصراعات.

وفي الشق المتعلق بالجانب الأمني، قال الخبير العسكري والاستراتيجي من تونس، العميد توفيق ديدي، إن الجزائر فهمت مبكرا أنه لا يمكن لأي دولة مواجهة ظواهر الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية بمفردها مشيرا إلى أن التاريخ أثبت منذ التسعينات أن المواجهة الفردية ينتهي بها المطاف إلى الفشل. وأكد الخبير أن “الظروف التي نعيشها اليوم تحتّم على الجزائر أن تلعب دوراً محورياً عبر تحريك دبلوماسيتها لبناء تنسيق أمني وثيق بين كافة دول الساحل بحكم موقعها الجغرافي الاستراتيجي وإمكانياتها الضخمة اللذان يجعلانها لاعبا أساسيا في ظل الظروف العالمية الراهنة وتأثير حربي أوكرانيا وإيران. وفي السياق، يرى الخبير العسكري أن الحراك الاقتصادي والاجتماعي الدبلوماسي الذي سيحدث في منطقة الساحل بقيادة الجزائر يستلزم توفير حد أدنى أمني للحفاظ عليه، وأكد أنه على الجميع أن ينضم لسد الطريق أمام الصهاينة في منطقة الساحل وشمال إفريقيا.

رئيس جبهة الخلاص الوطني التشادي، عمر المهدي، أكد في تدخله أن التعاون مع الجزائر في هذا التوقيت هو “فرصة ذهبية” لدول الساحل؛ مستندا على إمكانيات الجزائر الضخمة وخبرتها في مكافحة الإرهاب. وقال إن دول إفريقيا التي شربت لعقود من كأس الاستعمار والإملاءات الخارجية، تجد اليوم دولة شقيقة تؤمن بالعلاقات الندّية كمبدأ لسياستها ويجد مسؤولوها وهم ينزلون إلى الميدان في عواصم الساحل ترحابا وتفاهما.

خطوات ملموسة ومشاريع ربط لكسر الهيمنة الخارجية..

ويجمع الخبراء على رصانة المقاربة الجزائرية في منطقة الساحل والتي تلخص الحاجة إلى أرضية أمنية صلبة تمهّد لتنمية اقتصادية تخدم شعوب المنطقة وتكسر جسور الهيمنة الخارجية التي عانت منها هذه الدول طويلا وتحقق سيادة إفريقية على القضايا الإفريقية ومنه ثقلا وصوتا مسموعا للقارة على الساحة الدولية، حيث تضع الجزائر خبراتها العسكرية والأمنية في خدمة دول المنطقة لتأمين زخم اقتصادي جديد. وفي هذا السياق يبرز مشروع الطريق العابر للصحراء ومشروع الأنبوب العابر للصحراء كشريان حيوي لدول المنطقة، حيث يؤكد البروفيسور محمود صالحي أن الاتفاقيات والمشاريع الموقع عليها تخدم منطقة الساحل وتؤسس لأرضية استقرار دائم لفائدة هذه الشعوب وينعكس مباشرة على حياتها بعد عقود من الصراعات والتنافس الخارجي.

ويعتبر العميد توفيق ديدي أن هذه المشاريع الاقتصادية الضخمة من شأنها كسر الهيمنة الأجنبية وسد الطريق أمام التغلغل الخارجي في دول عانت لأكثر من 60 عاماً من نهب الموارد والثروات بواسطة الشركات متعددة الجنسيات بعد عقود من الاستعمار. ويقول محمد ويس المهري إن السبب الرئيسي للأزمات الأمنية في الساحل هو الهشاشة المادية، ونقص الخدمات، وعدم استغلال المواد الخام لصالح الشعوب المحلية مثلما هو الحال في النيجر ومالي اللذان يمتلكان ثروات هائلة من نفط وغاز وذهب ويورانيوم وكانتا عرضة للتنافس الخارجي والنهب، حيث تتيح هذه المشاريع الضخمة التي أطلقتها الجزائر ومبادراتها الملموسة والقابلة للتنفيذ على أرض الواقع  بخلاف مبادرات وهمية وطروحات استعراضية قدمتها أطراف أخرى (مثل مبادرة الوصول للأطلسي) تحقيق التكامل الإفريقي استنادا على مبدأ الندية وتبادل الفوائد الذي بنى رصيداً كبيراً من الثقة في الجزائر لدى دول الساحل والقارة الإفريقية.

كما أكد عمر المهدي أن ما تقوم به الجزائر اليوم في النيجر وتشاد والعمق الإفريقي يعزّز دورها المحوري من أجل التكامل الإفريقي، مشيرا إلى أن تشاد تستبشر خيرا من الاتفاقيات الموقعة مع الجزائر (مثل الطريق البري عين قزام – زيندر – نجامينا وطريق السكة الحديدية ) كمشاريع تاريخية تفك العزلة عن تشاد ويربطها بالبحر الأبيض المتوسط والعمق الإفريقي ويساعدها على تسويق منتجاتها الضخمة كالصمغ العربي، السمسم، والثروة الحيوانية التي تحتل فيها تشاد المرتبة الأولى إفريقياً.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى