آخر الأخبارالدولي

الهروب الكبير.. تباين يفضح المغرب

أثبت إحباط السلطات المغربية، أول أمس، محاولات هجرة جماعية نحو مدينة سبتة الإسبانية صحة الأطروحات والتحليلات حول خلفيات الهروب الكبير واجتياح عشرات الآلاف من المغربيين لسبتة في 30 يوليو الماضي، التي أدرجت الهروب ضمن “الخطة المدبّرة” التي تهدف إلى ابتزاز الحكومة الإسبانية.

ونقلت صحيفة “إل باييس” الإسبانية عن مسؤول أمني إسباني رفيع المستوى قوله إن “السلطات المغربية عندما تريد، تغلق الطريق أمام المهاجرين غير النظاميين الذين يحاولون الوصول إلى الحدود”. ويؤكد التباين الكبير بين ما حدث نهاية يوليو وأول أمس السبت هذا الطرح، وأن اجتياح 70 ألف شخص من المغرب لمدينة سبتة الإسبانية في يوم واحد لم يكن بسبب عجز السلطات المغربية والأمن المغربي عن التصدي لهذا المدّ البشري، وإنما تكرار لسيناريو 2021 واستغلال لورقة الهجرة من أجل الضغط على إسبانيا بشأن عدد من الملفات خاصة ما تعلق منها بالسياسة الخارجية، فقد أعقبت موجتي الهجرة الجماعية غير النظامية في 2021 و2026 مواقف إسبانية تتعلق بقضية الصحراء الغربية والتقارب مع الجزائر.

وقارنت الصحيفة الإسبانية بين التعزيزات الأمنية التي كانت مفروضة في 30 يوليو الماضي وأول أمس السبت، وأبرزت حجم الانتشار الأمني المغربي. وقد دفعت السلطات المغربية، أول أمس السبت، بتعزيزات أمنية لمنع هروب جماعي جديد بإرادتها رغم أنه في كلتا الحالتين سبقت محاولات الهجرة دعوات على وسائط التواصل الاجتماعي، لكن الفارق الوحيد أن شهادات “الهاربين” أكدت أن عناصر الأمن المغربي سهّلت عبورهم إلى سبتة نهاية جويلية، وهو ما لم يحدث أول أمس، ليفضح هذا التباين التورّط الرسمي للمغرب في اجتياح المهاجرين لمدينة سبتة.

“لا نريد العودة إلى المغرب”

ورغم الحديث عن عودة طواعية لآلاف المهاجرين غير الشرعيين من سبتة إلى المغرب، لا تزال السلطات الإسبانية تحت الضغط من أجل حلّ معضلة أكثر من 8000 مهاجر يفضّلون المعاناة على الأراضي الإسبانية بدل العودة إلى وطنهم، خاصة ما تعلق بحوالي 2500 قاصر غير المصحوبين والذين تتطلب إعادتهم إعداد تقارير من الجانب المغربي بشأن أوضاعهم الأسرية، إلى جانب تقرير من النيابة العامة الإسبانية يؤيد الإجراءات. وتقول الصحيفة إن السلطات في سبتة تقدّر أن العدد أكبر، حيث يصف مستشار الرئاسة، ألبرتو غايتان، الوضع بالرهيب، مشيرا إلى حالة القلق الكبيرة بين السكان، لا سيما في الأحياء التي تواجه ضغطا متزايدا، حيث شكل المهاجرون تجمّعا في شاطئ “إل ترامبولين”، ونظموا أمس مظاهرة يطالبون بحق اللجوء ورفض العودة إلى المغرب. ورفع المتظاهرون أعلاما إسبانية ولافتات كتب عليها “لا نريد العودة إلى المغرب” و”نحن بشر أيضا” وردّدوا هتافات مثل “لقد سئمنا” أو “نحتاج إلى حل”.

وقال وزير الداخلية الإسباني، فرناندو جراندي مارلاسكا، الأسبوع الماضي، إن المهاجرين الذين دخلوا بصورة غير قانونية لن يسمح لهم بالبقاء في سبتة، ولا السفر إلى البر الرئيسي لإسبانيا، ولا الحصول على وضع قانوني.

وتتواصل ردود الفعل إزاء الهروب الجماعي للمغربيين نحو مدينة سبتة، والتي اعتبرها العديد من الكتّاب المغربيين “صرخة مدوية” في وجه فساد واستبداد نظام المخزن الذي عمق الأزمات المتراكمة في البلاد. وهو ما ذهب إليه الكاتب المغربي محمد مجدوبي في مقال له، حيث اعتبر أن الهجرة الجماعية نحو مدينة سبتة “أخطر الأزمات” التي يواجهها المغرب، وأن هذه الظاهرة تكشف “تناقضا صارخا” بين الخطاب الرسمي حول الأمن والاستقرار والنماء، وبين واقع مواطنين اختاروا المخاطرة بحياتهم من أجل مغادرة البلاد.

صرخة مدوية في وجه الفساد..

وربط الكاتب المغربي الهجرة غير الشرعية بالأزمات المتعلقة بالصحة والتعليم والشغل والعيش الكريم، إلى جانب التراجع الرهيب للقدرة الشرائية وتفشّي الفساد والاستبداد في المملكة، منتقدا بشدة تحميل مسؤولية الهروب الجماعي من البلاد إلى أطراف خارجية أو للضحايا الناقمين على الوضع المزري في البلاد.

من جهته، لفت الكاتب المغربي، طارق ليساوي، في مقال له، إلى أن هذه الأزمة تعكس “اختلالات تنموية هيكلية”، أبرزها البطالة وضعف الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة وغياب العدالة وتكافؤ الفرص. أما الكاتب مصطفى منيغ، فقد ربط اتّساع ظاهرة الفرار الجماعي من المغرب بواقع اقتصادي واجتماعي يدفع المواطنين إلى البحث عن سبل للخلاص من الظروف القاهرة، وأكد أن المقاربة الأمنية وحدها لا تستطيع معالجة دوافع الهجرة، في ظل ارتفاع معدل البطالة، خاصة وسط الشباب، بالإضافة إلى الغلاء وضعف الخدمات العمومية وغياب الشفافية وعدم ربط المسؤولية بالمحاسبة.

بدوره، ربط الكاتب المغربي محمد بن الديوس، الأزمة الاجتماعية بتغول الريع وتداخل المال بالسلطة وتضارب المصالح، محذرا من تحول المناصب والصفقات إلى أدوات لخدمة شبكات اقتصادية نافذة. وحذّر من أن استمرار هذا الوضع يطرد الكفاءات ويشجع على هجرة الأدمغة ورؤوس الأموال، لأن الإحساس بأن الفرص لا تقوم دائما على الكفاءة والاستحقاق يعمّق فقدان الثقة ويغذي الرغبة في الرحيل.

من جهته، أكد الكاتب أمين بوشعيب، أن سبب الهجرة الجماعية هو أزمة الثقة في المؤسسات والخطاب الموجّه إلى الشباب، مبرزا أن هذا الهروب الجماعي يعكس معاناة عميقة وسط فقدان للأمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى