
تتواصل أصوات الاستنكار والشجب لوضعية التعليم المتردية بالمغرب، التي لا تنحصر في مجرد اشكالية الإكتظاظ في الأقسام أو شح في الإمكانات، بل في مستوى المنتوج التعليمي ككل، وهو ما اعترف به مجددا الوزير المسؤول عن القطاع، كاشفا في الوقت ذاته عن أرقام صادمة عن حالات الانقطاع عن الدراسة.
وتشير العديد من التقارير إلى أن وضعية التعليم المقلقة بالمغرب تتجلى على سبيل المثال في الترتيب المتدني للمدرسة المغربية في مؤشرات جودة التعليم العالمية، وغياب الجامعات الوطنية عن ترتيب الجامعات الدولية.
وفي هذا الإطار، أكد شكيب بنموسى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، في كلمة خلال الدورة التي عقدها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، اليوم الاثنين بالعاصمة الرباط، على أن “مستوى التعليم بالمغرب غير مقبول، وهو ما يفسر حقيقة إشكالية الثقة في المدرسة العمومية”.
و استرسل الوزير في توضيح ذلك عبر تقديم سلسلة من الارقام المقلقة التي تعكس هذا التردي، منها أن 70 في المائة من التلاميذ لا يتحكمون في المقرر الدراسي عند استكمالهم التعليم الابتدائي، إضافة إلى عدم الوصول إلى تحقيق إلزامية التعليم (أزيد من 300 ألف حالة انقطاع عن الدراسة سنويا).
و أشار إلى أنه في نهاية السلك الابتدائي, 30 في المائة فقط من التلاميذ من يتمكنون من المقرر الدراسي، وفي نهاية التعليم الإعدادي 10 في المائة من التلاميذ فقط يتمكنون من المقرر الدراسي، مع تسجيل تفاوتات بين القطاع الخاص والعام.
ولفت بنموسى إلى أن الوزارة قامت في بداية السنة بعملية تقييم لمستوى التلاميذ، شملت 25 ألف تلميذ وتلميذة في السنة الخامسة ابتدائي، أظهرت أن 23 في المائة فقط من التلاميذ من يستطيعون قراءة نص مكون من 80 كلمة باللغة العربية بسلاسة، و 30 في المائة فقط من يتمكنون من قراءة نص باللغة الفرنسية مكون من 15 كلمة بسلاسة، و 13 في المائة فقط من التلاميذ يستطيعون إجراء عملية قسمة بسيطة.
إلى ذلك، تناول الوزير معضلة التسرب المدرسي، حيث أكد أن الاخير ومنذ 2016 يطال سنويا حوالي 300 ألف تلميذ وتلميذة في المتوسط، وخاصة في الأوساط الهشة، مما يكرس الفوارق المجالية، مشيرا أن نصف هذا الرقم مسجل في الثانوي الإعدادي، والربع في الإبتدائي.
ويعد التسرب المدرسي إحدى الخصائص الهيكلية التي تطبع النظام التعليمي المغربي، ومن بين أكبر المعيقات التي تعرقل تطور العملية التعليمية بجميع مراحلها وتتسبب في نزيف كبير للموارد البشرية. كما انها ظاهرة مركبة تشمل مجموعة من العوامل الثقافية والاجتماعية والاقتصادية.
فقد لاحظت العديد من الدراسات أن ظاهرة التسرب المدرسي في تصاعد متزايد في السنوات الأخيرة وتنتشر أكثر بالوسط القروي, تليه الأحياء الشعبية، أي الأحياء الهامشية والفقيرة بالوسط الحضري، مما يعمق من نتائجه الخطيرة، مثل انتشار الأمية والبطالة والجريمة في المجتمع.
ومن المؤكد -حسب المتتبعين- أن اعترافات الوزير بنموسى هذه ستضعه في مرمى انتقادات، سبق و ان تعرض لها جراء تصريحات مماثلة اثارت استغرابا شديدا و أكدت أن “ترديده لمثل هذه الأرقام والإحصائيات على مسامع الحاضرين في لقاءاته أو أمام المشاهدين والمستمعين عبر قنوات التلفزيون والمحطات الإذاعية، لم يأت باكتشاف جديد، فهو يعلم كما غيره من مدبري الشأن العام حتى قبل توليهم مناصب المسؤولية، أن المغاربة ضاقوا ذرعا بترديد تلك الأسطوانة المشروخة حول تدني مستوى تلاميذ المدرسة العمومية، ويعلمون جيدا أن قطاع التعليم يعاني من عدة اختلالات بنيوية وهيكلية جراء سوء التدبير و استشراء الفساد”.
وكانت “الجمعية المغربية لتحسين جودة التعليم” أكدت في احدى تقاريرها على أن نظام التعليم بالمغرب يحتوي على مردودية داخلية وخارجية منخفضة للغاية، مما يجعله مثل “مصنع أشباح يضيع الكثير من المال في إنتاج الخردة و إعادة المنتجات غير الصالحة لدورة الإنتاج دون أن تصبح بالضرورة مطابقة لمواصفات المناهج الدراسية”.
تقرير الجمعية الذي حمل عنوان “جودة التربية والتكوين في المغرب في ظل دستور2011 : عشر سنوات من التردد”، كشف عن موضع آخر يعكس تردي الوضع التعليمي بالمملكة والمتمثل في معاناة العديد من المدرسين الذين يمارسون مهنتهم في “ظروف غير لائقة”, فمنهم من يقوم بالتدريس في مؤسسات توجد في حالة متداعية، حيث لا يتم استيفاء أدنى الشروط الصحية.
كما أن “المدرسين الذين يقومون بتدريس الفصول الدراسية المكتظة أو الفصول متعددة المستويات، غالبا ما يتعرضون للتوتر ويفشلون في أداء وظيفتهم بشكل صحيح”، وفق الجمعية التي حملت الحكومة و أساسا الوزارة الوصية، القسط الوافر من المسؤولية باعتبارها المسؤولة عن الاستراتيجية التعليمية.




