الدوليالشرق الأوسط

“اللاءات الثلاث”.. الوهم القادم إلى الشرق الأوسط

بقلم: معين تيت

لا استهداف للبنى والمدنيين الفلسطينيين، ولا استهداف للبنان، ولا استهداف لليمن، هي اللاءات الثلاث التي “وعد” بها نتنياهو حين قرر بدء عدوانه على قطاع غزة، بعدما تلقى ضربة قصَمت ظهره وأنهت السردية الصهيونية القائمة على فكرة القوة والتفوق وإيهام الجميع بأنّ أيّ صِدام ضد الكيان الصهيوني يعدُّ انتحارا لا رجعة فيه.

الكيان الصهيوني الذي تكبّد خسارة مئات “الجنود” من قواته حتى قبل أن يبدأ العدوان على غزة، مشى يتخبط خبْطَ عشواء بلا بصيرة، إلى حرب بلا أهداف حقيقية، فباشر القصف الجوي على معاقل حركة “حماس”، مدّعيا و”مُطمْئنا” بأنه لن يمسّ المدنيين العُزّل، لكنّه صُدم بمجاهدي الحركة يفتكون بقواته ويختفون في أنفاق يصل عمقها لعشرات الأمتار، وهنا سقطت “لاء الكيان الأولى” بعدم المساس بالبنى التحتية والمدنيين بعد اضطراره إلى خوض حرب برية ضدّ المجهول.

الكيان الغاصب الذي أمعنَ في استباحة أراضي الفلسطينيين تمهيدا لمصادرتها وتهويدها، قبل “طوفان الأقصى”، أثبتَ فشلَه في توقّع ما حدث، لا سيما جهاز الاستخبارات “أمان”، وجهاز الاستخبارات العامّة “شاباك”، فأفرغ غضبه وأسباب فشله على شعب أعزل، جوا وبرا وحتى بحرا، بمساعدة مالية وعسكرية من أمريكا، التي تعتبر الكيان “الابن المدلل المظلوم” المدافِع عن نفسه، فصار تعداد الشهداء يتزايد، وعدد الجرحى يتكاثر والبنايات تتهدم، وراحَ يرحّل قسريا سكان الشمال إلى جنوب القطاع، بحثا – حسبه – عن مقاومي حركة “حماس”.

الكيان الغاصب الذي تناسى 76 عاما من الاحتلال والاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري وسياسة التنكيل والتقتيل، وراح يجمع الدعم والتأييد من دول أوروبية، وأخرى محسوبة على العربية، بأحقيته وحقه في الدفاع عن نفسه، لم ينلْ من عدوانه غيرَ جبّارينَ يتوقون إلى الشهادة في سبيل الجهاد، ولم يجد غير باسلين من “حزب الله” في الجانب اللبناني، قصفوا حتى الداخل الصهيوني المحتل، دعما للمقاومة الفلسطينية وإسنادا لغزة

تصعيد “حزب الله” بعدها كان قويا، وامتد إلى استعمال المسيّرات والصواريخ بعيدة المدى، وألحق بقوات الكيان أضرارا كبيرة، منها حتى البشرية، أين كان يختار نقاط التجمعات والتحشدات لغلق منافذ التوسع الصهيوني في شمال غزة، جعل الكيان يختار إسقاط “اللاء الثانية”، ووجّه عدوانه إلى لبنان بتفجيرٍ سيبراني هو الأخطر من نوعه، بعدما استهدف أجهزة الاتصال “بيجر” الخاصة بأعضاء “حزب الله”، وتلاها في اليوم الموالي بتفجيرات أخرى، ثم غارات مكثفة وكثيرة على جنوب العاصمة بيروت ومدن وقرى أُخَرَ، خلّفت حتى الآن أكثر من ألفي شهيد لبناني

المغتصب الصهيوني الذي لم يجرؤ داعموه على إدخال المعدات الحربية والآليات والأسلحة والذخيرة عبر البحر الأحمر، حينما وجد “الحوثيين” باليمن في المجابهة، فتارة يخرج يحيى سريع مسرعًا بخبر تفجير حاملة وقود، وسفن وبواخر من بلدان حليفة للكيان، لا لشيء إلا لقتل الأبرياء في غزة، بأسلحة الفوسفور الأبيض وأُخَرَ عديدة محرّمة دوليا، وتارة يخرج الكيانُ متحدثا عن تفجيرات في ميناء “إيلات” وبعض السفن التجارية، ولعلّ “اللاء الثالثة” سقطت بفعل فاعلٍ صديق، وهو الحليف الأبدي، الولايات المتحدة، التي أطلقت عملية سمّتها “سهم بوسيدون”، بانخراط بريطاني ودعم هولندي وأسترالي، تمثلت في قصف مواقع عسكرية لـ “الحوثيين”.

من لا يزال يظن ويعتقد جازما بأنّ الحرب العالمية الأولى بدأت بسبب قيام طالب من صربيا باغتيال وليّ العهد النمساوي وزوجته، فالأكيد أنه لا يزال في وهمه الخاطئ بأن المجازر الصهيونية في غزة ولبنان واليمن سببها “حماس” و”حزب الله” و”الحوثيون”، وهي مستمرة لأن نتنياهو يهرب من عقاب أو مساءلة قانونية تنتظره في محاكم أرض فلسطين المنهوبة

إنّ منطق الكيان الصهيوني هو التوسّع الإمبريالي بعد تحقيق الاستقرار الداخلي الدائم على أراضي فلسطين، حتى أنه امتنع ويمتنع عن قبول مقترح حلّ الدولتين، ورفض كل محاولات وقف إطلاق النار، كما أن منهجه التوسعي قائم أساسا على الهيمنة العالمية.

وبما أنّ لكل عملية عِمادا، فإن عمادَ هيمنة الكيان هي الشرق الأوسط، الذي أساسه الدول العربية، فهو يعمل على فصل المشرق العربي عن المغرب العربي، من خلال آليتين: إما التطبيع وأخذ “الحصانة” الموهومة، وإما بحرب إبادة له من المقتدرات والمقدّرات الداخلية والخارجية ما يمكّنه من المواصلة فيها، في ظل صمت دولي وعربي قاتم، إلا بعض الدول المتضامنة، خاصة الجزائر التي تناضل لنصرة القضية الفلسطينية في أكبر منتظم دولي من موقعها كعضو غير دائم.

الوهم القادم والخطر المحدق بالشرق الأوسط أشمل مما نعرفه وأوسع مما يُظهره الكيان الصهيوني، فتخطيطاته ومفاجآته وعدم اعترافه بالمواثيق والقوانين والمحاكم الدولية والقرارات الأممية دليل على أن مشاربه الدموية لن ترتوي بفلسطين فقط.

يَظهر جليا بأن الكيان الصهيوني ولو أنه يواصل تعنته وتوسيعه لدائرة الحرب حتى تصبح إقليمية، سيجد نفسه أمام حصار من عدة جبهات، أولاها المقاومة الفلسطينية التي تواصل تكبيده خسائر لم ولن يفصح بنتائجها، وثانيها “حزب الله” الذي قصف الداخل الصهيوني في سابقة هي الأولى من نوعها، بعد إطلاق مسيّرة تجاوزَ مداها السبعين كيلومترا، وثالثها “الحوثيون” المرابطون على حدود البحر الأحمر، من دون أن ننسى المقاومة الإسلامية في العراق، فالحقيقة أن الكيان يتفكك بالفِعل، وهو في مأزق لا فِكاكَ منه.

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى