آخر الأخبارأفريقياالجزائر

الرئيس الجزائري: التضحيات التي قدمها ملايين الأفارقة في سبيل الحرية لا يمكن اختزالها في سرديات مبتورة

أكد الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، اليوم الأحد، أن الجزائر التي وضعت مسار الاعتراف بالحقيقة التاريخية في صلب أولوياتها تؤمن بأن ترسيخ الحقيقة والعدالة التاريخية يشكل أساساً متيناً لشراكات مستقبلية أكثر توازناً، ولعالم يسوده القانون، لا منطق القوة.

وفي كلمة خلال الاجتماع المنعقد على هامش أشغال الدورة العادية الـ 39 لقمة رؤساء دول وحكومات الاتحاد الإفريقي، بأديس أبابا، والمخصص لدراسة تداعيات اعتبار الاستعمار جريمة ضد الإنسانية، وكذلك اعتبار بعض الأفعال المرتكبة خلال حقبة الاستعباد والترحيل والاستعمار بمثابة أعمال إبادة جماعية ضد شعوب أفريقيا، والتي قرأها نيابة عنه الوزير الأول سيفي غريب، قال الرئيس عبد المجيد تبون إن التضحيات العظيمة التي قدّمها ملايين الأفارقة في سبيل الحرية والكرامة والعدالة، لا يمكن أن تُطوى بالنسيان أو تُختزل في سرديات مبتورة، وأكد أن الاعتراف بالحقيقة التاريخية ليس استحضاراً انتقائياً للماضي، بل هو واجب أخلاقي وقانوني، ومدخل لا غنى عنه لبناء علاقات دولية متوازنة، قائمة على الاحترام المتبادل، والإنصاف، وصون الكرامة الإنسانية.

وأعلن الرئيس عن دعوة الجزائر إلى تكريس اعتراف دولي صريح، لا لُبس فيه، من قبل المنظمات الأممية والقوى الاستعمارية، بالطبيعة الإجرامية للممارسات التي شملت الاستعباد، والترحيل القسري، والتطهير العرقي، والتعذيب، والتشريد، والاضطهاد المنهجي، وهي ممارسات تفرّدت من حيث نطاقها ووحشيتها في التاريخ الإنساني الحديث. وأكد استعداد الجزائر التام انطلاقاً من تجربتها الوطنية المريرة، التي امتدت لأكثر من مائة واثنتين وثلاثين سنة من استعمار استيطاني بالغ القسوة لوضع ما بحوزتها من وثائق وأدلة مادية وشهادات تاريخية موثوقة تحت تصرف الهيئات القانونية الأفريقية المختصة، وأضاف أن هذه المعطيات تبرز حجم الفظائع والانتهاكات الجسيمة التي ارتُكبت لإخماد مقاومة الشعب الجزائري، بما في ذلك اللجوء إلى القمع واسع النطاق واستخدام وسائل وأساليب محظورة بموجب القانون الدولي.

دعم جزائري كامل لإدراج الاستعمار ضمن أخطر الجرائم الدولية

وأعرب الرئيس عبد المجيد تبون عن تهاني الجزائر وتقديرها للجنة الاتحاد الأفريقي للقانون الدولي على الدراسة الرصينة والمعمقة التي أنجزتها، والتي تمثل إضافة نوعية وبالغة الأهمية في مسار التفكير القانوني الأفريقي الجماعي، وهي الدراسة التي تأتي تنفيذاً مباشراً للقرار رقم 934 المعتمد من قبل المؤتمر خلال دورته السابقة، لتسلّط الضوء على الآثار القانونية المترتبة عن توصيف الاستعمار كجريمة ضد الإنسانية، وعلى تكييف بعض الممارسات المرتبطة بحقبة الاستعباد والترحيل القسري والاستعمار بوصفها أفعالاً ترقى إلى جريمة الإبادة الجماعية بحق الشعوب الأفريقية، مثمنا الجهد العلمي والقانوني المتميز. وأكد الرئيس على دعم الجزائر الكامل والثابت لكل المبادرات التي تضطلع بها مفوضية الاتحاد الأفريقي وهيئاته القانونية المختصة، الرامية إلى ترسيخ مقاربة قانونية واضحة وصريحة تُدرج الاستعمار ضمن أخطر الجرائم الدولية، بما يعزز مبادئ المساءلة، ويكرّس عدم الإفلات من العقاب، ويُسهم في إرساء عدالة تاريخية منصفة.

وأشار الرئيس إلى مبادرة الجزائر بالتعاون مع مفوضية الاتحاد الأفريقي، إلى تنظيم مؤتمر دولي رفيع المستوى يومي 30 نوفمبر والأول من ديسمبر 2025، تحت شعار: “جرائم الاستعمار في أفريقيا: نحو ترسيخ الحقيقة التاريخية وتجريم الاستعمار”، وهو المؤتمر الذي شهد مشاركة واسعة لوزراء خارجية، وخبراء قانون دولي، ومؤرخين، وأكاديميين من أفريقيا وأوروبا والأمريكيتين ومنطقة الكاريبي، وذلك في إطار التفويض الممنوح للجزائر إلى جانب كل من توغو وجنوب أفريقيا وغانا، لمتابعة تنفيذ القرار 934 ضمن الأنشطة الموضوعاتية للاتحاد الأفريقي لعام 2025 ، والذي أسفرت النقاشات المعمقة فيه عن اعتماد “نداء الجزائر” الذي تضمن جملة من التوصيات، أبرزها الدعوة إلى الاعتراف الرسمي بالجرائم الاستعمارية، والعمل الجاد نحو إدراج تجريم الاستعمار صراحة ضمن قواعد القانون الدولي و تعزيز توثيق الجرائم الاستعمارية وحفظ الذاكرة التاريخية الأفريقية كجزء لا يتجزأ من العدالة التاريخية، إضافة إلى ضمان استرجاع الممتلكات الثقافية المنهوبة، والأرشيفات الوطنية، والرفات البشرية لضحايا الاستعمار، والتأكيد على المسؤولية الدولية تجاه الآثار البيئية والاقتصادية العميقة التي خلّفتها السياسات الاستعمارية في القارة الأفريقية. وأعرب الرئيس عبد المجيد تبون عن ارتياح الجزائر لاعتماد مقترحها القاضي بتخصيص يوم أفريقي رسمي لإحياء ذكرى شهداء أفريقيا، والذي يصادف 30 نوفمبر من كل عام، بما يُسهم في ترسيخ الوعي التاريخي لدى الأجيال الصاعدة، وصون ذاكرة التضحيات الجسام التي قدّمتها شعوب القارة.

وأكد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أن الجزائر اتخذت في ظل هذا الحراك القاري المتنامي لإعادة قراءة التاريخ في ضوء القانون الدولي، خطوة سيادية مهمة على الصعيد الوطني، حيث صوّت البرلمان الجزائري، بتاريخ 24ديسمبر 2025، بالإجماع، على قانون يجرّم الاستعمار الذي تعرضت له الجزائر، حيث يهدف هذا القانون إلى تثبيت المسؤوليات القانونية، وصون الذاكرة الوطنية، وترسيخ مبدأ عدم تقادم الجرائم الجسيمة، باعتباره ركيزة أساسية لأي مقاربة جادة للمصالحة مع التاريخ ، كما يُصنّف القانون ممارسات من قبيل الإعدام خارج نطاق القضاء، والتعذيب، والاغتصاب، والتجارب النووية على المدنيين، والنهب المنهجي للثروات، ضمن الجرائم التي لا تسقط بالتقادم، استناداً إلى مبادئ القانون الدولي وحقوق الشعوب في الحقيقة والعدالة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى