
في ولاية عنابة الجزائرية، حيث ارتبط اسم الحجار لعقود بتاريخ الصناعة الثقيلة في الجزائر، تبدو اليوم ملامح فصل جديد. فالمركب الذي كان أحد أبرز رموز صناعة الحديد والصلب في البلاد يعود إلى واجهة المشروع الصناعي الوطني، ضمن رؤية لا تتوقف عند إعادة تأهيل منشأة صناعية، وإنما تستهدف إعادة بناء منظومة متكاملة للحديد والصلب، وتعزيز الإنتاج الوطني، وتقليص التبعية للاستيراد وترسيخ السيادة الصناعية.
هذه المرة، تدخل الصين بثقلها الصناعي والتكنولوجي إلى قلب المشروع. فوزارة الصناعة الجزائرية فتحت مسارا من المشاورات مع مجموعة China Baowu Steel Group، أحد الأسماء الكبرى عالميا في صناعة الحديد والصلب، في خطوة تعكس توجهاً نحو الاستفادة من الخبرة الصينية في تحديث المركب وإدماجه في منظومة صناعية أكثر تطورا وتنافسية.
وفي الثاني عشر من أوت 2026، ترأس وزير الصناعة يحيى بشير لقاء مع وفد عن المجموعة الصينية، ضم مسؤولين عن فروعها وشركاتها التابعة، بحضور ممثلي China Road & Bridge Corporation – CRBC في الجزائر، إلى جانب مسؤولي الشركة الوطنية لصناعة الحديد ومجمع سيدار والجزائرية للصلب. اللقاء جاء تتويجا لمسار بدأ قبل أيام، وتضمن مشاورات تقنية وزيارات ميدانية إلى مركب الحجار، إلى جانب تنسيق بين قطاعات الصناعة والمناجم والطاقة والمحروقات والمؤسسات المعنية بالمشروع.
لكن أهمية الحضور الصيني لا تكمن فقط في حجم المجموعة، وإنما في طبيعة التكنولوجيا والخبرة التي ستحملها إلى المشروع. فالمباحثات تشمل تقنيات حديثة في صناعة الحديد والصلب، والرقمنة الصناعية، والاختزال المباشر، وإنتاج الحديد المختزل والحديد المكبوس على الساخن، وهي تقنيات تفتح الطريق أمام تحديث قاعدة الإنتاج والانتقال نحو منتجات أكثر قيمة مضافة.
والأهم أن الجزائر لا تطرح المسألة باعتبارها مجرد صفقة تجهيز أو استقدام تكنولوجيا جاهزة. المقاربة تقوم على شراكة صناعية منتجة، عنوانها نقل التكنولوجيا والخبرة، وتطوير الكفاءات الجزائرية، وتوطين النشاط الصناعي وتعزيز الإدماج المحلي. فالهدف أن تتحول الشراكة إلى معرفة وقدرات إنتاجية داخل الجزائر، لا أن تبقى التكنولوجيا مجرد خبرة مستوردة.
وفي قلب هذا التحول يبرز رهان آخر: الحديد والصلب الأخضر. فالمباحثات الجزائرية الصينية تناولت إمكانية توظيف الهيدروجين الأخضر في إنتاج حديد وصلب منخفض الانبعاثات الكربونية، مستفيدة من الإمكانات التي تمتلكها الجزائر في مجال الموارد المنجمية والطاقة والطاقات المتجددة، ومن خبرة المجموعة الصينية في تطوير صناعات أكثر توافقا مع التحولات البيئية والتكنولوجية العالمية.
وهنا يتجاوز مشروع الحجار حدود عنابة. فالرهان هو ربط المركب بمختلف حلقات سلسلة القيمة، من تثمين خام الحديد ومعالجته، إلى إنتاج الحديد والصلب ثم تطوير المنتجات ذات القيمة المضافة. أي الانتقال من مجرد إنتاج المادة الأولية إلى بناء صناعة متكاملة تستطيع أن تغذي قطاعات أخرى وتخلق قيمة مضافة ومناصب شغل وتدعم الصناعات التحويلية الوطنية.
وتضطلع الشركة الوطنية لصناعة الحديد، إلى جانب مجمع سيدار والجزائرية للصلب، بدور أساسي في هذا المسار، من خلال تثمين الأصول الصناعية وتحديث وسائل الإنتاج وتحسين النجاعة والأداء وتطوير المنتجات ذات القيمة المضافة. وهي مقاربة تجعل من الحجار جزءا من إعادة تنظيم أوسع لشعبة الحديد والصلب الجزائرية.
ولأن المشروع ذو طبيعة استراتيجية، فإن تطويره لا ينفصل عن قطاعات المناجم والطاقة واللوجستيك والتكوين. فنجاح صناعة الحديد والصلب لا يبدأ عند بوابة المصنع وينتهي عند خروج المنتج، وإنما يتطلب تكامل كل حلقات السلسلة، من المادة الأولية والطاقة إلى التكنولوجيا والنقل والكفاءات والأسواق.
أما الاختبار الحقيقي، فيبدأ مع نهاية سبتمبر. فوفق البرنامج المتفق عليه، يفترض أن تقدم مجموعة China Baowu Steel Group تصورها التكنولوجي النهائي للمشروع، إلى جانب مشروع مذكرة تفاهم وخارطة طريق مفصلة لتجسيده على أرض الواقع.
الحجار، بهذا المعنى، لا يعود مجرد اسم من ذاكرة الصناعة الجزائرية. إنه اختبار لإمكانية إعادة بعث أصول صناعية استراتيجية بمنطق جديد، يجمع بين الموارد الجزائرية والخبرة والتكنولوجيا الدولية، وعلى رأسها الخبرة الصينية، لبناء صناعة أكثر تكاملا وقدرة على المنافسة.
فالمعادلة التي تطرحها الجزائر اليوم تتجاوز فكرة إنقاذ مصنع. إنها محاولة لاستعادة حلقات من القيمة الصناعية داخل البلاد، وتحويل الموارد المنجمية والطاقة إلى منتجات صناعية ذات قيمة مضافة، وتقليص الاعتماد على الاستيراد، وخلق صناعة قادرة على إنتاج احتياجات الاقتصاد الوطني والمنافسة في الأسواق الخارجية.
إن قصة الحجار الجديدة ليست مجرد قصة مركب يستعيد إنتاجه فحسب، بل قصة قلب صناعي تحاول الجزائر إعادة تشغيله بأدوات القرن الحادي والعشرين، وبمعيّة شريك صيني يضع التكنولوجيا والخبرة في صلب هذا الرهان.




