الاتجار بالبشر يعرّي اختلالات الحماية الاجتماعية بالمغرب

رغم ترويج نظام المخزن لنجاعة المنظومة القانونية الخاصة بمكافحة الاتجار بالبشر، تكشف الوقائع الميدانية أن آلاف الضحايا في المغرب ما زالوا يواجهون أوضاعا قاسية بعد نجاتهم من شبكات الاستغلال، في مشهد يعكس فجوة عميقة بين النصوص القانونية وواقع الحماية الفعلية.
وتشير المعطيات الرسمية إلى ارتفاع التدابير الحمائية الموجهة لضحايا الاتجار بالبشر من 55 إجراء سنة 2022 إلى 400 إجراء خلال عام 2025، وهو ما يقدمه نظام المخزن باعتباره دليلا على اعتماد مقاربة شمولية لحماية الضحايا. غير أن شهادات الحقوقيين والباحثين تكشف أن هذه الأرقام لم تنجح في إنهاء معاناة الضحايا أو ضمان إعادة إدماجهم اجتماعيا ونفسيا.
فبعد الإفلات من قبضة شبكات الاستغلال الجنسي أو العمل القسري أو التسول أو الهجرة غير النظامية، يجد كثير من الضحايا أنفسهم في مواجهة واقع جديد لا يقل قسوة، يتمثل في الوصم الاجتماعي والعزلة والفقر وغياب المواكبة النفسية المتخصصة، ما يحول حياتهم إلى معاناة يومية مفتوحة.
وتؤكد الأرقام الرسمية أن النساء يشكلن الفئة الأكثر استهدافا من جرائم الاتجار بالبشر بنسبة تصل إلى 64 بالمائة، خصوصا في قضايا الاستغلال الجنسي، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول فعالية السياسات الاجتماعية والوقائية الموجهة للفئات الهشة.
ورغم اعتماد قانون خاص بمكافحة الاتجار بالبشر وإنشاء آليات مؤسساتية للتنسيق والمتابعة، يرى متخصصون أن الحماية القانونية وحدها غير كافية في ظل استمرار العقبات الاجتماعية والنفسية التي تعرقل تعافي الضحايا وإعادة إدماجهم في المجتمع.
ويشير حقوقيون إلى أن ضحايا الاستغلال الجنسي يواجهون أحكاما مجتمعية قاسية تجعلهم عرضة للتنمر والإقصاء، بدل اعتبارهم ضحايا يستحقون الدعم والمساندة. كما أن الكثير منهم يعانون اضطرابات نفسية عميقة، من بينها اضطراب ما بعد الصدمة وفقدان الثقة بالنفس والخوف المزمن من المستغلين، وهي حالات تتطلب رعاية متخصصة لا تزال محدودة ومكلفة.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه المؤسسات الرسمية عن تطور الترسانة القانونية، يبرز واقع الضحايا حجم التحديات القائمة، إذ لا يزال عدد كبير منهم عالقا بين آثار الاستغلال ومحدودية آليات الإدماج والحماية، ما يجعل معركة التعافي أكثر تعقيدا من مجرد صدور القوانين أو تسجيل الأرقام.
وتعيد هذه المعطيات فتح النقاش حول مدى قدرة السياسات العمومية المغربية على توفير حماية حقيقية للضحايا، وتحويل الشعارات المعلنة إلى إجراءات ملموسة تضمن الكرامة والإنصاف للفئات الأكثر هشاشة في المجتمع المغربي.




