أفريقياأوروباالأخبار

الابتزاز المغربي: الصحراء الغربية في قلب المعادلة مع إسبانيا وأوروبا

في خضم الجدل المتصاعد حول أزمة الهروب الجماعي للمغربيين على حدود سبتة الإسبانية، خرج الصحفي الإسباني والخبير في الشؤون العربية فرانسيسكو كاريون، صباح الأربعاء، عبر برنامج «La Hora de La 1» على التلفزيون الإسباني الرسمي، ليقدم قراءة صريحة وحادة لما يجري، واضعا الأزمة في سياق سياسي أوسع يتجاوز مجرد ملف الهجرة.

وبعيدا عن الروايات الرسمية ومحاولات التقليل من خطورة التطورات، ركّز كاريون على ما اعتبره طابعا سياسيا متعمدا من جانب المغرب، وعلى الأوضاع الصعبة التي يعيشها الشباب المغربي، فضلا عن انتقاده للموقف الأوروبي الذي وصفه بأنه يتسم بالتساهل أمام أدوات الضغط التي تمتلكها الرباط. كما استند في حديثه إلى تجربته الشخصية كصحفي تعرض لإجراءات انتقامية من السلطات المغربية.

“العبور إلى سبتة: عملية جرى تنظيمها من الرباط”

يرى كاريون أن تدفق المهاجرين على حدود سبتة لم يكن نتيجة للصدفة. وقال: “نحن الصحفيين الذين غطينا المغرب بشكل مكثف خلال السنوات الأخيرة، لا يفاجئنا شيء.”

وأضاف بحزم: “الهجوم واقتحام سبتة كانا متعمدين، ولم يكونا حادثًا. ومن يعرف المغرب يدرك أن شيئا لا يتحرك من دون تدخل الأجهزة الأمنية”.

وذكّر الصحفي بأنه قبل عام خرج شباب مغربيون في احتجاجات عفوية مطالبين بـ”عدد أقل من بطولات كأس العالم، وعدد أقل من الملاعب، والمزيد من المستشفيات والمدارس”. وقد نشأت هذه الاحتجاجات عبر الإنترنت، قبل أن تقوم قوات الأمن بـ”خنقها وإخمادها وقمعها بعنف من خلال التسلل إلى شبكات التواصل الاجتماعي”.

ويرى كاريون أن ذلك يثبت مدى السيطرة التي تفرضها الرباط على أي تحرك جماهيري، بما في ذلك عملية العبور الأخيرة نحو السياج الحدودي.

“ابتزاز” قضية الصحراء الغربية

النقطة الثانية الأساسية في تحليل كاريون تتعلق بالاستراتيجية الخارجية للمغرب الرامية إلى تكريس احتلال الصحراء الغربية.

ووضع الصحفي أزمة سبتة في سياق المطالب المغربية الأخيرة من إسبانيا، والتي تجسدت في زيارة بيدرو سانشيز إلى الجزائر، ثم في المقترح المثير للجدل الذي قدمه حزب سومار لمنح الجنسية الإسبانية للصحراويين المولودين في ظل الاستعمار، وهي مبادرة وصفها بأنها “مزعجة جدًا للمغرب”.

وذهب الصحفي إلى أبعد من ذلك، متهما المؤسسات الأوروبية بالتواطؤ. وذكّر بفضيحة «ماروك غيت»، التي تضمنت اتهامات بتلقي “رشى من أعضاء في البرلمان الأوروبي”، وبمحاولات الاتحاد الأوروبي إيجاد “طرق قانونية ملتوية” للإبقاء على اتفاقيات الصيد والتجارة مع المغرب، رغم أن محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي قضت بعدم قانونيتها، لأنها لم تحصل على موافقة شعب الصحراء الغربية.

“الوجه الآخر للمغرب وغياب الحريات”

أراد الصحفي أيضا أن يسلط الضوء على ما يعتبره صورة مثالية يحاول النظام المغربي تقديمها عن البلاد، قائلًا:

“يقدمون لنا صورة عن المغرب باعتباره بلدا سيستضيف كأس العالم، ويتحدثون عن مدن حديثة، لكن هناك مغربان. هناك مغرب ريفي ظهر بوضوح خلال الزلزال، حيث يفتقر السكان إلى إمكانية الوصول إلى التعليم، وتموت النساء بسبب عدم توفر الرعاية الطبية”.

ودعا كاريون إلى دعم الشباب المغربي الذين شاركوا في الاحتجاجات، مؤكدًا أن تطلعاتهم هي “التطلعات الطبيعية لأي شخص يريد الحريات العامة والعدالة والمساواة”.

وأضاف: “لا يمكننا اليوم خوض هذا النقاش في المغرب. التلفزيون ووسائل الإعلام مقيدة ومكممة، وزملائي الذين يخاطرون بحياتهم هناك تعرضوا للسجن أو الإسكات أو القمع”.

شهادة شخصية: الترحيل وتصنيفه “تهديدًا”

لا يستند تحليل فرانسيسكو كاريون إلى عمله كمراقب وصحفي فحسب، بل أيضا إلى تجربة شخصية عاشها بنفسه.

فقد كشف الصحفي خلال البرنامج عن المضايقات التي تعرض لها من جانب حكومة محمد السادس بسبب تغطيته لقمع السكان الصحراويين في الأراضي الصحراوية المحتلة.

وقال: “قبل عام وصلت إلى الداخلة، وهي مدينة محتلة في الصحراء الغربية، وتم ترحيلي فورا بمجرد نزولي من الطائرة القادمة مباشرة من مدريد. كما سُلّمت ورقة كُتب فيها أنني أشكل “تهديدا للأمن القومي المغربي””.

وتسلط هذه التصريحات الضوء على الصعوبات والمخاطر الكبيرة التي تواجهها الصحافة الدولية في مراقبة سياسات الرباط وتغطية نزاع الصحراء الغربية بصورة مستقلة.

الصحراء الغربية في قلب المعادلة

وتكشف تصريحات كاريون، عن قراءة تعتبر أن ملف الصحراء الغربية لم يعد قضية إقليمية منفصلة، بل أصبح عنصرا حاضرا في العلاقات بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي.

وبحسب هذا الطرح، فإن أزمات الهجرة والعلاقات الثنائية والاتفاقيات الاقتصادية والتجارية لا يمكن فصلها عن الصراع السياسي حول الصحراء الغربية، ولا عن الأساليب التي تستخدمها الرباط للضغط على شركائها الأوروبيين.

وهكذا، تتحول سبتة من مجرد نقطة على خريطة الهجرة إلى مرآة لأزمة أكبر: أزمة تتداخل فيها الحدود والهجرة والدبلوماسية الأوروبية وملف الصحراء الغربية والحريات الصحفية، في وقت يتواصل فيه الجدل حول حدود النفوذ المغربي وقدرة أوروبا على صياغة موقف مستقل تجاه الرباط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى