تحضّر السلطات في فرنسا لتعزيز الانتشار الأمني تحسباً لمظاهرات أوسع السبت المقبل، ووسط دعوات لتكثيف التحركات الاحتجاجية إلى بداية شهر نوفمبر بشكل مبدئي، بينما تجدّد اتهاماتها لليسار بالوقوف وراء الاحتجاجات الشعبية العنيفة التي شهدتها البلاد نهاية الأسبوع.
وقال رئيس الوزراء الفرنسي، سيباستيان لوكورنو، اليوم الثلاثاء، خلال جلسة أسئلة أمام الجمعية الوطنية، إن “جماعات من اليسار المتطرّف” تقوم بـ”وضع مخطّط للتمرّد” في بعض الأماكن، وذلك على خلفية أعمال الشغب التي شابت الاحتجاجات ضد غلاء المعيشة. وأضاف لوكورنو: “لن نسمح بأن تقوم جماعات صغيرة متمردة بالزحف إلى قصر الإليزيه، وإلى ماتينيون”، في إشارة إلى مقري رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة.
وأعلن لوكورنو عن تعزيز الانتشار الأمني في مدن البلاد كإجراء استباقي لتفادي الثغرات التي أدت إلى انزلاق المظاهرات الشعبية إلى العنف، وقال: “أعطى وزير الداخلية تعليمات إلى السلطات المحلية. سيكون الانتشار السبت المقبل كثيفاً”. من جهته، قال وزير الداخلية لوران نونييز: “سنعزز بالطبع الانتشار الأمني عما كان عليه يوم 17 تشرين الأول/أكتوبر، وستُراجع أساليب التدخل (…) من حيث الإمكانات، وحجم القوات المشاركة بالطبع، وسرعة الاستجابة والتحرك، لمواجهة هذه المجموعات والتصدي لها، وهي تشتت قوات الأمن بطريقة (…) مخطط لها بدقة شديدة”.
فصل ثان من الاحتجاجات وحظر تجول أوسع..
وتستعد فرنسا لموجة جديدة من المظاهرات، يوم السبت المقبل، بدعوة من حركة “السترات الصفراء” ومنظمات طلابية ونقابات، تعمل السلطات على احتوائها بشكل مسبق من خلال فرض حظر تجول في عدد من المناطق بأمر من رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو عقب الانفلات الأمني الكبير الذي سجل في يوم “الغضب”.
وأعلنت الحكومة الفرنسية، اليوم الثلاثاء، تجديد حظر التجول في المناطق التي تستدعي ذلك على خلفية أعمال العنف التي رافقت احتجاجات السبت الماضي ضد غلاء المعيشة وتدهور النظام التعليمي. وتتزامن هذه التحركات مع الدعوة إلى إضراب أوسع ومظاهرات في 5 نوفمبر المقبل بمشاركة عدد كبير من النقابات للمطالبة بتحسين الأجور والخدمات العامة وفرص العمل، مما ينذر بتصاعد الضغوط السياسية على حكومة لوكورنو.
وكتب لوكورنو في منشور على حسابه الرسمي على منصة “إكس” يقول فيه: “لقد ساهمت قرارات حظر التجول الموضعية في تهدئة الأوضاع خلال الليل. واليوم، ستتخذ قرارات جديدة بفرض حظر تجوّل حيثما يقتضي الوضع ذلك”، وأضاف موضحاً: “ستتخذ هذه القرارات ميدانياً من جانب مسؤولي المحافظات وبالتنسيق مع رؤساء البلديات”.
وأكد مسؤولون في الشرطة والدرك “هدوء الأوضاع” خلال الليل نتيجة حظر التجول، بينما شدد رئيس بلدية باريس، إيمانويل غريغوار، على أن حظر التجول “يجب أن يظل إجراءً استثنائياً”. وبدأ سريان حظر التجول، مساء الاثنين، في أجزاء من باريس وليون، ثالث كبرى مدن البلاد (وسط شرق)، وبوردو (جنوب غرب) وليل (شمال) ونيس (جنوب شرق). واقتصر الحظر في المدن الثلاث الأخيرة على القاصرين.
وبالموازاة مع إعلان حركة “السترات الصفراء” تنظيم “الفصل الثاني” من الاحتجاجات يوم السبت المقبل، سجلت دعوات تحركات إضافية في 31 أكتوبر، ما يجعل سلسلة الاحتجاجات في فرنسا تتجه نحو الاتساع والاستمرارية. ونشرت تنسيقية الحركة على موقع الحراك خريطة تتضمن عشرات التحركات المقررة.
وأوضح المشرف على الموقع، بنجامين بال، أجندة التحركات المقررة وأضاف: “سنواكب هذا الزخم بالطبع، وسنحافظ على التعبئة استعداداً للخامس من نوفمبر وسنتقدم على مراحل”، وأوضح: “ستكون هناك تحركات في 24 و31 أكتوبر ثم الخامس في نوفمبر”.
اتهامات سياسية وتحرك قضائي…
ووجدت السلطات الفرنسية في فرض حظر التجول إجراءً مؤقتاً لمنع اتساع رقعة الغضب الشعبي في ظل عجز الحكومة عن الاستجابة للمطالب الاجتماعية المطروحة بسبب توجهات تقشفية تحاول من خلالها التخفيف من وطأة الأزمة المالية والاقتصادية المتصاعدة. وفي السياق، قال رئيس استراتيجية الأسواق في شركة “آر بي سي بلو باي” لإدارة الأصول، مايك بيل، إن فرنسا تواجه خظراً حقيقياً للغاية يتمثل في احتمال اندلاع أزمة ديون سيادية. وأضاف أن المطلوب في فرنسا هو إعادة الأوضاع المالية العامة إلى مسار أكثر استقراراً. وأشار إلى ضرورة رفع سن التقاعد، إذ لا يمكن، بحسب رأيه، استمرار التقاعد عند سن 62 عاماً في وقت يبلغ فيه متوسط العمر المتوقع نحو 84 عاماً. وحذر مايك بيل من الصعوبات السياسية والاجتماعية التي قد تواجهها الحكومة إذا حاولت المضي في هذا الاتجاه، موضحاً أن اندلاع الاحتجاجات قبل طرح مثل هذه الإجراءات للنقاش يعكس حجم التحديات التي قد تواجهها السلطات الفرنسية في حال قررت رفع سن التقاعد.
ويبدو أن الاتهامات التي توجهها السلطات الفرنسية، وعلى رأسها إيمانويل ماكرون، لليسار بالوقوف وراء الاحتجاجات لن تمر دون رد. وأعلن حزب “فرنسا الأبية”، اليوم الثلاثاء، عزمه ملاحقة وزير الداخلية الفرنسي، لوران نونييز، أمام محكمة العدل الجمهورية، على خلفية تحقيق نشره موقع “ميديابارت” الاستقصائي، كشف عن اتهامات بتوجيه تعليمات إلى أجهزة الاستخبارات لتحميل الحزب مسؤولية أعمال العنف والتخريب التي شهدتها فرنسا خلال عطلة نهاية الأسبوع.
وقال المنسق الوطني للحزب، مانويل بومبار، إنه سيلجأ إلى محكمة العدل الجمهورية لمقاضاة الوزير، معتبراً أن اختلاق وثائق مزيفة وإصدار تعليمات تتجاوز الصلاحيات القانونية يشكلان أفعالاً قد ترقى إلى جرائم يعاقب عليها القانون. وأضاف بومبار أن التلاعب بعمل أجهزة الاستخبارات بهدف استهداف حزب “فرنسا الأبية” وتحميله مسؤولية أعمال لا علاقة له بها، “أمر غير مقبول على الإطلاق”.
وجاء ذلك عقب تحقيق نشره موقع “ميديابارت” مساء الاثنين، تحت عنوان: “يطلبون منا أن نكتب أن فرنسا الأبية تقف وراء الحراك الاحتجاجي: كيف صُنع كبش فداء حول أحداث 17 أكتوبر”، كشف عن اتهامات بتوجيه الاستخبارات لتحميل الحزب المسؤولية.
وكشف التحقيق عن رسالة كتبها مفوض يعمل في جهاز الاستخبارات الفرنسية، بتاريخ 18 أكتوبر/تشرين الأول، عبّر فيها عن استيائه من تعليمات قال إنها “طُلبت من الجهاز”. ونقل الموقع عن المفوض قوله في رسالة موجهة إلى زملائه: “هناك أمور لا يمكن قولها، لكن عندما يطلب منا حرفياً أن نكتب أن حزب فرنسا الأبية هو الذي يقف وراء الحركة، في حين أن ذلك خاطئ موضوعياً وفق الرأي العام داخل أجهزة الاستخبارات، فمن الواضح أن هناك قرارات سياسية”.
وقالت المدعية العامة في باريس، لور بيكّو، أمس، إنها لا تستطيع تأكيد أن مرتكبي أعمال العنف ينتمون سياسياً إلى اليسار المتطرف. وأضافت أن غالبية الأشخاص الذين وُضعوا قيد الحراسة النظرية كانوا غير معروفين إلى حد كبير، وأنهم التزموا الصمت ولم يعلنوا عن دوافع أو مطالب سياسية.
وكانت صحيفة “لوموند” قد أشارت، وفق ما أورده التحقيق، إلى أن الاستنتاجات المتعلقة بسيطرة اليسار المتطرف على التحركات بدت أوسع من الأدلة المقدمة، لا سيما أن المذكرة استندت إلى أوضاع نحو عشرين مدرسة ثانوية في إقليم سين سان دوني، بينما امتدت الاحتجاجات إلى أكثر من ألف مؤسسة تعليمية في أنحاء فرنسا.




