
لم تعد مأساة سبتة تختزل في أعداد الذين عبروا البحر أو في صور التدافع عند الحدود أو حتى في الحصيلة الثقيلة للغرقى. فهناك مأساة أخرى، أقل صخبا في الإعلام لكنها أشد قسوة: مئات الأطفال المغربيين الذين وجدوا أنفسهم، بين ليلة وضحاها، بلا أسرة، ولا حماية، ولا حتى دولة تتولى الدفاع عنهم.
إن أخطر ما كشفت عنه هذه الأزمة ليس فقط حجم الهجرة الجماعية، وإنما الطريقة التي بدا فيها هؤلاء القاصرون وكأنهم تُركوا لمصيرهم بمجرد وصولهم إلى الضفة الأخرى.
فوفق المعطيات المعلنة، ما يزال نحو 1100 قاصر غير مصحوبين بذويهم عالقين في سبتة، بعدما امتلأت مراكز الإيواء، واضطر كثير منهم إلى النوم في المستودعات أو في الشوارع. بل إن سكانا وجمعيات خيرية تطوعوا لإيوائهم وتوفير الطعام والأغطية لهم، فيما تحدث مواطنون عن استقبال أطفال في سياراتهم بعدما عجزت السلطات المحلية عن استيعابهم.
إنه مشهد لا ينبغي أن يمر مرور الكرام.
أطفال مغربيون يفترشون أرصفة مدينة أجنبية، بينما تتنافس المؤسسات الأوروبية حول كيفية توزيعهم بين الأقاليم الإسبانية، وتتجادل الأحزاب حول من يتحمل مسؤوليتهم، وتخصص مدريد الملايين لإغاثتهم… في حين يغيب السؤال الأهم: أين الدولة التي ينتمي إليها هؤلاء الأطفال؟
لا يتعلق الأمر هنا بالسيادة ولا بالخلافات السياسية ولا بالنزاعات الدبلوماسية، بل بمسؤولية قانونية وأخلاقية تجاه قاصرين يحملون الجنسية المغربية. فالأطفال ليسوا طرفا في أي صراع، ولا يجوز أن يصبحوا أول ضحاياه.
لقد انصب النقاش داخل إسبانيا على كيفية تسجيل هؤلاء القصر، وإيوائهم، ونقلهم إلى مناطق أخرى، وضمان حقوقهم القانونية، رغم الجدل السياسي الحاد الذي أثارته القضية. أما داخل المغرب، فقد طغى الصمت على واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية التي مست آلاف الأسر.
وكان المنتظر أن تبادر المؤسسات المعنية إلى التواصل مع الرأي العام، وتوضيح الإجراءات المتخذة للتنسيق مع الجانب الإسباني، والبحث عن الأطفال، والتأكد من أوضاعهم، ومواكبة الأسر التي انقطعت أخبار أبنائها. لكن هذا الحضور ظل محدودا في الفضاء العام، بينما بقيت عائلات كثيرة تبحث عن أي معلومة تطمئنها على مصير أطفالها.
ولا يمكن اختزال القضية في الجانب الإنساني وحده، لأنها تطرح سؤالا سياسيا أكبر: كيف وصل بلد يتحدث باستمرار عن الاستقرار والنمو إلى مشهد يفر فيه عشرات الآلاف خلال أيام، وبينهم هذا العدد الكبير من القاصرين؟
فالطفل لا يقرر عبور البحر لأنه مولع بالمغامرة، وإنما لأنه نشأ في بيئة جعلت المستقبل خارج الوطن يبدو أقرب من المستقبل داخله. وحين يصبح هذا الاعتقاد جماعيا، فإن الأزمة لا تعود أزمة حدود، بل أزمة ثقة عميقة بين الدولة وجيل كامل.
إن الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على مراقبة حدودها، وإنما أيضا بقدرتها على حماية مواطنيها، خصوصا الأطفال. فالمسؤولية لا تنتهي عند لحظة مغادرتهم التراب الوطني، بل تبدأ منذ تلك اللحظة، عبر التحرك الدبلوماسي والقنصلي والإنساني لضمان حقوقهم وسلامتهم ولمّ شملهم بأسرهم متى أمكن ذلك.
اليوم، يجد مئات الأطفال المغربيين أنفسهم موضوعا لنقاشات الأحزاب الإسبانية، ولخطط إعادة التوزيع بين الأقاليم، ولبرامج التمويل الأوروبية، بينما تغيب عن المشهد رواية مغربية واضحة تشرح للرأي العام ما الذي تقوم به الدولة تجاه هؤلاء القاصرين.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: أطفال المغرب أصبحوا مسؤولية يتجادل حولها الآخرون، بينما ينتظر ذووهم في الداخل أي خبر يبدد القلق أو يخفف وجع الانتظار.
إن مأساة سبتة لن تُختزل في أعداد العابرين ولا في حصيلة الضحايا، بل ستبقى أيضا في صورة أطفال مغربيين ناموا في العراء، بعيدا عن أسرهم، ينتظرون من يقرر مصيرهم. وهذه الصورة، في حد ذاتها، تفرض سؤالا لا يمكن الهروب منه: هل قام المخزن بما يكفي لحماية أطفاله، أم أن الأزمة كشفت فراغا مؤلما في تحمل المسؤولية تجاه الفئة الأكثر هشاشة؟




