الثقافة

في يومهم العالمي وقفة مع سينما المهاجرين الجزائريين بفرنسا

يحي العالم اليوم  18 ديسمبر “يوم المهاجرين العالمي”،  وقد بلغ عددهم في العالم في عام 2020 زهاء 281 مليونا، ومثلوا نسبة 3.6 في المئة من سكان العالم. بهذه المناسبة نتوقف عند صورة المهاجرين في أفلام سينمائية جزائرية .

آيسا مايغا، الممثّلة الفرنسية السوداء، قالت، في النسخة الـ45 (28 فبراير 2020) لجوائز “سيزار”، إنّها تُحصِي دائماً عدد السود والملونين في احتفالات كهذه، لتستنتج بالطبع أنّه قليل. يتضمن كلامها اتّهام السينما الفرنسية أحياناً بنقص التنوّع، وبوضعها الفرنسيين السود وذوي الأصول المهاجرة، حين يوجدون، في أدوارٍ تتوافق والمخيّلة الجماعية أدوار محدّدة مسبقاً، وذات مضمون نمطي.

وذكرت صحيفة “لوباريزيان” الفرنسية أن أكثر من 30 فنانا من نجوم الفن السابع حول العالم، أطلقوا مبادرة للتنديد باقتصار السينما الفرنسية على البيض وحصر ذوي البشرة السمراء والآسيويين في أدوار ثانوية نمطية، كالمهاجرين والمجرمين والخدم، لمطالبة أكاديمية “سيزار للفنون” بالمساهمة في تحسين أوضاع الأعراق الأخرى في السينما الفرنسية.

ساد تياران عن دور الأجنبي في الوحدة الوطنية بفرنسا. فهو إمّا مُهدِّدٌ للهوية ومُسبِّب للأزمة، وإما حامل قيم ومنقذ بلد مُنهك. توطّد التوجّهان في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، وهذه فترة مهمّة بسبب التغيّرات اللاحقة في المجتمع الفرنسي جرّاء وجود المهاجرين. ثم في العقود الاخيرة، انتشرت تعابير جديدة في فرنسا، من نوع “الأقليات المرئية” (بسبب أصولها العرقية)، وأثر هذا بالضرورة على السينما، في الوقت الذي بدأ يُفسَح فيه مكانٌ أوسع للسينمائيين من ذوي الأصول المهاجرة ظهر منحى لإظهار الأجنبي أكثر في المجتمع الفرنسي، لناحية الاهتمام بالظروف الصعبة للمهاجرين واستنكار العنصرية والدعوة إلى تغيير النظرة للمهاجر، الذي ظهر ضحية وعاملاً بائساً يخضع لشروط عمل قاسية وغير آمنة، كما في “السفراء” (1976) للناصر القطاري، عن حياة عمّال تونسيين وعيشهم في جماعات منعزلة، لعدم الرغبة في رؤيتهم خارجاً، أو لانعدام إمكانية العيش مع الفرنسيين.

ليصبح موضوع الهجرة وثنائية الهوية والاغتراب التي يواجها غالبية من غادروا أوطانهم، أو من ولدوا لآباء تعود جذورهم لمكان آخر، حاضرا بقوة في سينما المهاجرين العرب بفرنسا، فقد تناولت عشرات الأفلام بلدانهم غير القادرة على توفير مقومات الحياة الكريمة لشبابها، وكذلك أوروبا بسياساتها في مجال الهجرة

وقد بدأت هذه الظاهرة من خلال الجزائري عبد الكريم بهلول، حين أخرج فيلمه الأول “شاي بالنعناع” عام 1983، وهو العام الذي نشر فيه مهدى شرف روايته الأولى: “الشاي في مخدع أرشى أحمد”، التي صارت فيلمًا بعنوان “الشاي في مخدع أرشميدس” حول شاب مهاجر، يعيش تضاربًا بين ثقافتين، الثقافة التي تربى عليها في الجزائر، وثقافة فرنسا، إنه يحاول أن يتعلم، لذا فإنه يقوم بتفكيك كلمة “أرشميدس” إلى كلمتين عربيتين لسهولة التعرف على الكلمة، ونطقها.. والفيلم يدور حول قصة صداقة تربط بين اثنين من الشباب الصغير، الأول عربي، والثاني فرنسي، كل منهما يشعر بالاغتراب مع المكان، وهما لا يملكان الكثير من المفردات للتعبير عن رغباتهما .

وتدور أحداثه ” شرف عائلتي” للمخرج رشيد بوشارب 1996 في مجتمع العرب المهاجرين في فرنسا أيضاً. حيث نرى الفتاة الجزائرية (نورا ) التي تكذب على والديها للتمتع بقدر أكبر من الحرية فتوهمهم أنها تعمل كممرضة بينما هي تعمل في بار مع صديقتها الفرنسية التي تشاركها رغبتها بالتحرر والتمرد على المجتمع، ولكن كل شيء يتغير عندما تكتشف أنها حامل، فتسارع والدتها بعد معرفتها الأمر إلى العمل على تزويجها من (حميد) صاحب أكبر متجر للألبسة الجاهزة في البلدة ،وهو على الرغم من أنه شاب طيب، لكنه يعيش مع والدته ويبدو عاجزاً عن تحقيق طموحات (نورا) لكن خبر حملها يذاع في الحي والبلدة كلها، وتهرب نورا مع صديقتها الفرنسية.

وعام 1997 يقدم عبد الكريم بهلول فيلمه (ليلة القدر) يتحدث الفيلم عن رجل عربي مسلم مسن يعيش في باريس يدعى السيد سليماني يكون شاهداً على جريمة قتل وقعت في الحديقة العامة التي يجتازها كل يوم للوصول قاعة الصلاة في الحي الغربي.

وهرباً من المجرمين الذين يلاحقونه يختبئ في المسجد بين حشود المصلين الذين يرتدون نفس الزي الذي يرتديه فيضيع بينهم، الأمر الذي ينقذ حياته، إلا أن العدالة تريد شهادته، ويكلف أحد المفتشين بالعثور عليه، وخلال بحثه في المدينة المسلمة يعجب المفتش بنورة وهي فتاة شابة سمراء وديناميكية ويحاول أن يستفيد من مساعدتها وقدرتها على الترجمة إلى العربية، كما يغرم بها، إلا أنها لم تبادله الشعور ذاته فتختفي عن الأنظار.

وأصبح بذلك يفتش عن شخصين اثنين في الحي، وبعد أن يكتشف السيد سليماني أن منفذ الجريمة هو إحدى الشخصيات المتنفذة في البلد، وذلك أثناء مشاهدته لأخبار التلفزيون يعود سراً إلى وطنه الجزائر ليدخل ابنه الصحفي في خضم البحث عن الفاعلين الحقيقيين للجريمة ويصاب بطلق ناري، فيعود السيد سليماني إلى فرنسا ويشهد على المجرم الحقيقي.

كما يتطرق فيلم “العيش في الجنة” (عام 1998) للمخرج بورلام فرجو لواقع المهاجرين الجزائريين إلى فرنسا.  والذي تدور أحداثه في إطار تاريخي يعود لزمن السنوات الأولى من حرب الاستقلال الجزائرية، ونرى فيه الزوجة الجزائرية التي تمكنت من فرض حقها في الخروج من طوق بيوت الصفيح التي يعيش فيها المهاجرون وفي التأقلم مع المجتمع الجديد وممارسة حياتها عن طريق الانخراط في النشاطات الداعمة لاستقلال الجزائر.

يطرح فيلم “بلاد رقم واحد” من إخراج وبطولة المخرج الجزائري المغترب رابح زيماش قضية عودة المهاجرين الجزائريين أو ما يعرف بسكان الضواحي الفرنسية إلى مساقط رؤوسهم. ويروي الفيلم قصة (كمال) الذي يغادر السجن في فرنسا ويرحل رغم أنفه إلى بلده الأصلي الجزائر.

 يعود كمال الى وطنه الذي اغترب عنه طويلا بعد عودته إلى بلده الأم، يبدأ كامل رحلة من نوع آخر: اكتشاف بيئته الاجتماعية والثقافية، هو المقيم في بلد الغربة طويلاً. والاكتشاف مصحوبٌ بتعرّجات الحياة اليومية، المثقلة بالهمّ المعيشي، والمشحونة بألف حكاية وحكاية.

ورغم ذلك يمكن القول إن جميع السينمائيين الجزائريين والعرب المهاجرين لم يستطيعوا تجاوز أزمة الانتماء، فمعظم مواضيعهم تصور معاناتهم في البلدان المستقبلة، وبخاصة الأجيال الأخيرة المولودة في أوروبا، ويبقى كمال دهان في فضاء مواضيع الهجرة و متاعب المهاجرين في بيئتهم المستقبلة، وصراعهم ومقاومتهم للأفكار المسبقة القابعة في الضمائر، لذلك يبقى المهاجر في خانة ما أسماه المخرج ” المشبوهون ” 2003، بالرغم من كفاءاتهم العالية مثلما حدث لبطل الفيلم الذي يعرض اختراعه المبهر في ألمانيا.

 وفي النهاية يعود إلى الجزائر، على خلفية قصة حب بين اخصائية نفسية جزائرية تعود الى الوطن لانجاز رسالتها حول الصدمات النفسية الناتجة عن حرب الجزائر، ومخترع فنان شاب يبحث عن الاعتراف بمواهبه.

وفي قراءة للنتاجات السينمائية نرى فيلم “غبار الحياة ” 1995للفرنسي- الجزائري رشيد بوشارب أثار نقاشا حادا في الأوساط الصحفية الفرنسية، نظرا لطرحه العلاقة التاريخية بين المهاجرين العرب والفضاء الفرنسي، ومحاولة منه للتعرض إلى المسائل الحساسة والعالقة.

في دورة مهرجان كان للعام 2006، سار على البساط الأحمر كل من الممثلين رشدي زم وسامي نصري وسامي بوعجيلة وجمال دبوز، وكلهم فرنسيون من أصول مغاربية. وقد فازوا بالسعفة الذهبية لأحسن تمثيل في فيلم “السكان الاصليين” الذي أخرجه رشيد بوشارب، فكانت اللحظة تتويجا لرحلة أجيال متعاقبة من الظل إلى الضوء، داخل الفيلم وخارجه. فكرة الفيلم الأساسية تتمحور حول الأجانب ولاسيما المغاربيين (بلغ عددهم أكثر من مئة الف جندي من بينهم نحو 20 الفاً من سود افريقيا)، اللذين إستقدمهم فرنسا من مستعمراتها للمساهمة في تحريرها من الاحتلال النازي.

وإذا كانت أغلب الأفلام المنتجة حول مرحلة المقاومة الفرنسية الاحتلال النازي، قد ركزت الى حد بعيد حول دور القوات الأمريكية التي كانت السباقة الى دخول باريس سنة 1944 بعد تحريرها، فإن فيلم رشيد بوشارب حول ان يعكس الآية ويبرز دور المغاربيين والسنغاليين في عملية تحرير فرنسا من النازية.

وشكل الفيلم مفاجأة فنية ومفاجأة سياسية أيضا، فشريط بوشارب يكسر صمتاُ طال أمده حول هؤلاء الجنود المنسيون.. الفيلم يعيد كتابة التاريخ من جديد بالسينما، وينتشل ذاكرة هؤلاء الجنود من الإهمال والضياع والنسيان، ويخاطب فرنسا ببعض الحقائق التي تميل الى نسيانها. وتشير بالأصابع إلى جدود هؤلاء الشبان الذين ينتفضون اليوم في شوارع فرنسا مطالبين بحقوقهم، متحدثين عن خديعة كبرى تعرضوا لها.

” عربي مائة بالمائة “

ونرى في “عربي مائة في المئة” للمخرج محمود زموري المنتج في فرنسا عام 1999 : يافطة إعلانية ضخمة مهلهلة مكتوبة عليها (عربي مائة في المئة) على أبواب حي شعبي فقير حيث تتعدد الجنسيات واللغات وأنماط الحياة . موسيقى (الرأي) وأغنيات الشاب خالد والشاب مامي تطغى على سائر الاهتمامات، خصوصاً الدينية منها، مما يثير غضب وحنق سليمان ومجيد العاطلين عن العمل. يبدو الفيلم وكأنه صراع خفي بين أصولية دينية ما، لا تتوانى عن ممارسة العنف ضد من لا يكون معهم، وبين مجتمع إنساني يرغب في التحرر والعيش وامتلاك حقه باختيار مسارات حياته.

صراع خفي يقلق عمدة المنطقة، المقبل على انتخابات بلدية فإذا به يضطر إلى استغلال الأصوليين لتحقيق أهدافه السياسية والسيطرة على الشباب المأخوذين بالموسيقى سخرية لاذعة وقوية وجريئة اعتمدها (الزموري) عبر لغة مبنية على الطرافة والاقتضاب. سخرية وزعا على وجوه لم تعبر عن أي رغبة في الحياة أو أي طموح سوى الاستمرار بأقل قدر من العذاب.

ويشكل فيلم “أن شالله الأحد” (عام 2001) للمخرجة الجزائرية يمينة بن غيغي محاولة في السينما المغاربية لمعالجة موضوع المرأة من حيث أزمة الهوية والبحث عن الدور المستقل والقرار الحر.

بطلة الفيلم تهاجر إلى فرنسا مع أطفالها وحماتها للالتحاق بزوجها الذي يقيم ويعمل هناك. وفي باريس تجد نفسها تعيش في عمارة سكنية محاطة بجيران فرنسيين لا يتقبلونها ولا يتقبلون ضجيج أطفالها، محاصرة برقابة وهيمنة حماتها، لا يسمح لها بالخروج من المنزل إلا للتسوق من متجر قريب، في حين أن زوجها الصارم المحافظ لا يعود إلى المنزل إلا متعباً من العمل.

 غير أن الزوجة سرعان ما تبدأ بالتمرد وإقامة العلاقات مع جيرانها بعد مصادمات عديدة ومنها علاقة صداقة بريئة مع سائق حافلة فرنسي ومع جارة فرنسية شابة تشجعها على أخذ زمام المبادرة بيدها، والهروب من المنزل مع أطفالها للتنزه وإلخ. وفي النهاية تفرض حقها في الحياة الطبيعية وسط المجتمع الجديد على زوجها.

ويلفت فيلم “سلام”، للمخرجة سعاد البوهاتي سنة 2001 ، النظر إلى عزلة الجيل الأول من المهاجرين العرب في فرنسا، من خلال تصوير الساعات الأخيرة في حياة مهاجر جزائري يدعى علي، يستعد للعودة إلى بلده الأصلي بعدما أمضى ستين سنة كاملة في المهجر.

في حين يركز رشيد بن حاج المقيم بإيطاليا على حنينه للوطن مع فيلمه “عطور الجزائر ” 2010، من خلال ما تكتشفه بطلته كريمة الباريسية من مناظر مثيرة بعد عودتها للجزائر لزيارة والدها.

وعادت المخرجة لينا سويلم من خلال عملها “جزائرهم” إلى حياة جديها مبروك وعائشة اللذين تطلقا بعد 62 عاما من الحياة الزوجية، ومن خلال هذه القصة الشخصية تغوص المخرجة في ذاكرة المهاجرين الجزائريين الأوائل إلى فرنسا. ويعتبر “جزائرهم” وهو من إنتاج مشترك جزائري فرنسي ومدته 72 دقيقة أول تجربة وثائقية طويلة في مسار سويلم وهي مخرجة فرنسية الجنسية من أصول فلسطينية جزائرية.

من أجمل الأفلام التي خرجت للعرض عام 2003، فيلم ” منافي ” للفرنسي من اصل غجري جزائري توني غاتليف (من مواليد الجزائر في 10 سبتمبر 1948) الذي حصل علي جائزة الاخراج في مهرجان ” كان ” 57، والذي كرس مخرجه بأفلامه مثل فيلم ” لاتشو دروم ” و” موندو ” و” انا ابن بجعة ” لما يمكن ان نطلق عليه بـ “سينما الغجر”، التي تحكي في أفلامها عن حياتهم وعذاباتهم وغربتهم وبؤسهم في فرنسا وكل وطن يضمهم . توني غاتليف، وكان فيلمه ” لاتشو دروم ” عام 1993 اطلق شهرته في العالم، كأحد أبرز المخرجين المتخصصين في هذا النوع.

 ويقول توني غاتليف أن فيلمه لم يعتمد على صياغة لفكرة ولم يكن تجسيدا لمفهوم ما، بل نبع من اشتياق محموم لإعادة النظر والتحديق في جروحه المفتوحة، والعودة الى وطنه الجزائر من خلال رحلة تصوير الفيلم، بعد مضي اكثر من 43 عاما على هجرته الى فرنسا، ومغادرته مرتع طفولته.

فيما تدور أحداث الفيلم الروائي الطويل “مولود في مكان ما” المخرج الفرنسي الجزائري الأصل محمد حميدى، من بطولة جمال دبوس، وتوفيق جلاب، حول صبى فرنسي من أصول جزائرية “فريد” يضطر إلى العودة إلى الجزائر لإنقاذ والده المريض، فيجد نفسه في موقف يتطلّب منه الكفاح من أجل العيش فى بلد لم يطأها مسبقا، ولا يجيد لغتها، تماما كما حدث مع والده، قبل سنوات مضت عندما انتقل إلى فرنسا.

وتستكشف لينا سويلم في فيلم “جزائرهم” (72 د ــ 2020) في أولى تجاربها مع الوثائقي الطويل التاريخ النفسي المنسي لجمع من المنفيين والمقموعين الجزائريين من خلال ذكريات أسلافها التي ضمنتها في فيلمها . حيث تستكشف صمت جديها عائشة ومبروك اللذين هاجرا إلى فرنسا في خمسينات القرن العشرين، ولم يتركاها بعد ذلك. حيث تعود المخرجة إلى ذاكرتها العائلية عبر قصة هذا الثنائي الذي عاش تجربة الطلاق والانفصال، بعد ستة عقود من الزواج على أرض الجزائر المستعمرة قبل هجرته بحثاً عن لقمة العيش. بعد الانفصال، انتقل كلّ منهما للعيش في منزل منفصل، في عمارتين تفصل بينهما عشرات الأمتار. تستعيد الحفيدة في شريطها تلك الذاكرة بحثاً عن أسباب الانفصال، لكنّها تكشف في السياق جزءاً من تاريخ الذاكرة الجزائرية في المهجر .

محمد عبيدو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى