أوروباالجزائر

رقان الجزائرية.. الجريمة النووية الفرنسية التي لن تسقط بالتقادم

لا تزال رمال صحراء رقان، جنوب الجزائر، تحكي قصة جرح لم يندمل منذ أكثر من ستة عقود. ففي 13 فيفري 1960، فجَّرت فرنسا أول قنبلة نووية لها تحت اسم “اليربوع الأزرق”، مدشِّنة بذلك حقبة من التجارب النووية التي خلَّفت كارثة بيئية وصحية لا تزال تداعياتها مستمرة حتى اليوم. لم تكن تلك التفجيرات مجرد اختبارات عسكرية، بل كانت جريمة ضد الإنسانية، استخدمت فيها فرنسا الجزائريين “فئران تجارب”، وأغرقت الجنوب الجزائري في إشعاعات نووية مميتة.

فرنسا وحلم القوة النووية على حساب الجزائر

بعد الحرب العالمية الثانية، كان الجنرال شارل ديغول يسعى لوضع فرنسا ضمن القوى النووية العظمى، مقتديًا بالولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. وفي أكتوبر 1945، أي بعد شهرين فقط من تفجيرات هيروشيما وناغازاكي، أمر بإنشاء هيئة الطاقة الذرية الفرنسية، واضعًا نصب عينيه تطوير السلاح النووي كضمانة لاستقلال باريس العسكري.

وبعد 15 عامًا من البحث والتطوير، احتاجت فرنسا إلى مواقع لتجاربها نووية، فوقع الاختيار على الصحراء الجزائرية، بحجة أنها “غير مأهولة”، متجاهلة وجود السكان المحليين، وبعد المنطقة عن وسائل الإعلام وهكذا، في 13 فيفري 1960، فجَّرت فرنسا أول قنبلة نووية في رقان، بلغت قوتها 60 إلى 70 كيلوطنًّا، أي نحو خمسة أضعاف قوة قنبلة هيروشيما، لتلتحق رسميًّا بنادي الدول النووية على حساب أرواح الجزائريين وأرضهم.

رقان تحت الجحيم النووي

رغم مزاعم المسؤولين الفرنسيين بأن التفجيرات كانت “مُحكَمة”، فإن الرياح الصحراوية حملت الإشعاعات القاتلة إلى مناطق واسعة، مسببة كارثة صحية وبيئية. مما أدى إلى انتشار الأمراض السرطانية، والتشوهات الخلقية، والأمراض الجلدية المزمنة بين السكان المحليين، وما زالت هذه الآثار مستمرة حتى اليوم.


فئران تجارب” بشرية وجرائم ضد الإنسانية

لم تكتفِ فرنسا باستخدام أراضي الجزائر لإجراء تجاربها النووية، بل أجرت اختبارات على البشر، حيث استخدمت السكان الجزائريين، بعضهم من الأطفال والنساء الحوامل والشيوخ، في نطاق الانفجارات النووية، لدراسة تأثير الإشعاع على الأحياء. ووفق تقارير حقوقية، فإن 24 ألف جزائري تأثروا بشكل مباشر بالإشعاعات النووية، في انتهاك صارخ لكل القوانين الإنسانية.

ملف الذاكرة.. فرنسا تماطل وترفض الاعتراف الكامل

بعد عقود من الصمت، أقرَّت فرنسا عام 2010 قانونًا لتعويض بعض ضحايا التجارب النووية، لكنه جاء مشروطًا ومعقدًا، مما جعل عددًا قليلاً فقط من الضحايا يحصلون على التعويض. وحتى اليوم، لا تزال الجزائر تطالب باريس بتحمل مسؤولياتها التاريخية، والكشف عن مواقع دفن النفايات المشعة، وتعويض المتضررين بشكل عادل، لكن الموقف الفرنسي ظل متحفظًا ومترددًا.

في أوت 2022، وقع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون “إعلان الجزائر”، الذي نصَّ على إنشاء لجنة مشتركة من المؤرخين الجزائريين والفرنسيين لمعالجة جميع القضايا التاريخية، بما فيها التفجيرات النووية. ورغم هذه الخطوة، لم تقدم فرنسا حتى الآن أي إجراءات فعلية لتنفيذ التزاماتها.

الإشعاع النووي.. خطر يمتد لـ 24 ألف سنة

تثير المخلفات النووية في رقان قلقًا واسعًا، حيث ما زالت الإشعاعات النووية تفتك بالأرواح، متسببة في أجيال تعاني من التشوهات الخلقية والعقم والسرطان. ويؤكد الخبراء أن البلوتونيوم الموجود في المنطقة سيظل مشعًا لمدة 24 ألف سنة، مما يجعل خطره ممتدًا لأجيال قادمة.

ويشير الباحث في الهندسة النووية، عمار منصوري، إلى أن فرنسا استخدمت آلاف الجزائريين وعناصر من اللفيف الأجنبي كفئران تجارب، حيث تم تقييدهم في مواقع التفجير لدراسة تأثير الإشعاع عليهم، كما تم استخدام حيوانات ونباتات لدراسة التأثيرات طويلة المدى.

اعترافات صادمة ومطالبات بالمحاسبة الدولية

الجندي الفرنسي السابق كريستوف جانو اعترف بأن التفجيرات النووية الفرنسية كانت كارثة بكل المقاييس، حيث تجاوزت قوتها التفجيرية قرابة خمسة أضعاف قنبلتي هيروشيما وناغازاكي. كما كشف أن 150 جزائريًّا تعرضوا لتجارب إشعاعية مباشرة، بهدف دراسة آثارها الفيزيولوجية عليهم.
من جهتها، دعت المنظمة الدولية لحظر الأسلحة النووية (ICAN) عام 2021، فرنسا إلى تقديم تعويضات للضحايا الجزائريين، وتسليم الخرائط الكاملة لمواقع دفن النفايات النووية، مؤكدة أن “الماضي النووي لفرنسا لا يجب أن يبقى مدفونًا تحت الرمال”.

موقف الجزائر الرسمي: تفجيرات رقان جريمة لا تسقط بالتقادم

أكد الرئيس الجزائري في مناسبات عدة، أنّ الجرائم التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي في حق الشعب الجزائري “لن يطولها النسيان، ولن تسقط بالتقادم”، وأنه “لا مناص من المعالجة المسؤولة والمنصفة والنزيهة لملف الذاكرة والتاريخ في أجواء المصارحة والثقة”.

وفي تصريح سابق للصحافة، قال الرئيس الجزائري إنّ الجزائريين “ينتظرون اعترافًا كاملاً بكل الجرائم التي اقترفتها فرنسا الاستعمارية”.

وبخصوص التفجيرات النووية، أكد الرئيس الجزائري ضرورة قيام فرنسا “بتنظيف المواقع النووية ومعالجة ضحايا التفجيرات”، مضيفًا أنّ “العالم احتشد من أجل كارثة تشيرنوبيل، في حين أن التفجيرات النووية في الجزائر تثير ردود فعل قليلة، بالرغم من أنها حدثت علنا وبالقرب من التجمعات السكنية”.

نحو محاسبة فرنسا دوليًّا

تبقى التجارب النووية الفرنسية في الجزائر واحدة من أبشع الجرائم الاستعمارية التي لا تزال تداعياتها مستمرة حتى اليوم. وبينما تواصل الجزائر نضالها لكشف الحقيقة وإنصاف الضحايا، تواصل فرنسا سياسة المماطلة والإنكار، متجاهلة مسؤوليتها الأخلاقية والقانونية.

ومع حلول الذكرى الـ 65 لهذه الجريمة النووية، يظل مطلب المساءلة الدولية ومحاسبة فرنسا على جرائمها الاستعمارية أمرًا لا بد منه، حتى لا يسقط هذا الملف في طيّات النسيان، وحتى تحصل الجزائر على حقها المشروع في العدالة والإنصاف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button