الانحياز الرقمي..حين تعيد الخوارزميات كتابة الحقيقة
لم تعد الخوارزميات مجرد أدوات تقنية لتنظيم المحتوى، بل تحوّلت إلى فاعل أساسي في تشكيل ما نراه ونفهمه عن العالم.
يُقصد بتحيز الخوارزميات ذلك الميل غير المحايد في طريقة عمل الأنظمة الرقمية، حيث تقوم بترتيب وعرض المحتوى بناءً على بيانات مسبقة وتفضيلات مبرمجة، ما يؤدي إلى إبراز روايات معيّنة وإخفاء أخرى. هذا التحيّز لا يحدث بالصدفة، بل هو نتيجة تراكمات بشرية وبيانات تاريخية وخيارات تصميمية، تجعل من الفضاء الرقمي بيئة غير متكافئة في تمثيل الحقيقة.
ولفهم جذور هذه الإشكالية، لا يمكن تجاهل تقرير شون ماكبريد الصادر سنة 1980 بعنوان: “أصوات متعددة وعالم واحد”، والذي يُعدّ من أهم المرجعيات في نقد اختلال توازن تدفق المعلومات عالميا. فقد حذّر التقرير مبكّرا من هيمنة قوى إعلامية محدّدة على إنتاج الأخبار وتوزيعها، ومن استخدام المعلومات كأداة للسيطرة وفرض سرديات بعينها، في ظل غياب عدالة اتصالية بين دول الشمال والجنوب.
اليوم، ومع انتشار المنصّات الرقمية، يعود الحديث عن ماكبريد بقوة، لكن بصيغة جديدة: لم تعد الهيمنة محصورة في المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل انتقلت إلى الخوارزميات التي تدير تدفق المعلومات، وتعيد تشكيل السرديات، وتؤثر بشكل مباشر في الرأي العام العالمي. وفي زمن أصبحت فيه الخوارزميات تتحكم فيما نرى ونقرأ ونشارك، لم يعد السؤال: ما هي الحقيقة؟ بل أصبح: من يصنع هذه الحقيقة؟
الانحياز الخوارزمي وتمثيل الحقيقة.. صعود المحتوى بين التضخيم والتهميش
يبرز الانحياز الرقمي في الخوارزميات لجهات محدّدة، من خلال أمثلة عديدة أثبتت أن هذا الانحياز ممنهج، بمعنى أن الدخول إلى الأنترنت لا يوفر فعليا عدالة في الاستخدام؛ إذ تظهر خوارزميات محرّكات البحث نتائج في طياتها آراء مسبقة عن شرائح مجتمعية عديدة، أو نتائج مبنية على بيانات تعكس العنصرية، وحتى ما يعكسه المحتوى المنشور عن فئات مجتمعية عانت وتعاني الاضطهاد تاريخيا وسياسيا ودينيا.
فصعود محتويات على حساب محتويات أخرى هو نتيجة مباشرة للانحيازات الرقمية التي تبرمج أو تُغذى عبر البيانات والتفضيلات البشرية، مما يحدث اختلالا في تمثيل الحقيقة.
لقد أظهرت المحتويات الرقمية المنشورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي خلال الحرب على غزة انحيازها الواضح للاحتلال الصهيوني؛ فغالبا ما أظهرت الخوارزميات المنشورات الداعمة للاحتلال على شكل “ترندات” في “إنستغرام” و”فيسبوك”، ويتم دعم هذه المحتويات من خلال حملات تفاعل مدفوعة، جيش إلكتروني، وحتى تحيّز خوارزمي لأنظمة ترى المحتوى “آمنا” أو “منضبطا”.
وعلى النقيض، فإن المحتوى الداعم للطرف الفلسطيني، خصوصا ذلك الذي يحتوي على صور الشهداء أو مشاهد الدّمار والعنف، كثيرا ما يُحذف أو يتم تقييد انتشاره (Shadowban)؛ حيث تستخدم الخوارزميات آليات فحص المحتوى لحظر المحتوى الفلسطيني حتى ولو كان توثيقيا، وتمارس رقابة على الكثير من المصطلحات مثل “عنف”، “شهيد”، “جرائم”، “الاحتلال”، “المقاومة”… ليعمل التحيّز الخوارزمي على خفض ظهور المنشور تلقائيا.
وفي سياق آخر، تصدّرت عبر محركات البحث، مثل “غوغل”، محتويات تستعرض بطولات الجيش الأوكراني، روّجت لها وسائل إعلام غربية وحتى عربية، حيث تظهر هذه المحتويات صورا وفيديوهات إسقاط الدفاعات الأوكرانية لطائرات روسية، وغالبا ما تُعزز عبر خوارزميات منصات مثل “تيك توك” وأكس” و”يوتيوب”.
وتتحيّز الخوارزميات كثيرا لمحتويات تتعلق بخطابات الرئيس الأوكراني باعتبارها “مؤثّرة” و”مؤيّدة للديمقراطية”، فيما يبدو المحتوى الداعم للطرف الروسي محجوبا أو مقموعا؛ فالمحتويات التي تُظهر روسيا كدولة “مدافعة”، أو المنشورات التي تنتقد “الناتو”، لا تلقى رواجا بل تُحذف أو يُقَلّل انتشارها، وغالبا ما تُصنّف على أنها “مضللة” أو “تحمل سرديات روسية”.
هذه الأمثلة تبرز كيف يمكن للمنصات الرقمية أن تخلق انحيازا في تمثيل الحقيقة دون رقابة وشفافية؛ فالمحتوى الصاعد ليس دائما الأكثر صدقا، بل الأكثر توافقا مع من يتحكم في المنصة أو يبرمج خوارزمياتها.
من ماكبريد إلى الخوارزميات.. من يملك السردية؟
لم يكن النقاش حول هيمنة السرديات جديدا، فقد أشار تقرير شون ماكبريد سنة 1980 بعنوان: “أصوات متعددة وعالم واحد”، إلى أن المعلومات يمكن أن تُستخدم كأداة للسيطرة والهيمنة، فيما سمّاه “تشويه المحتوى”.
كما قدم التقرير مفهوما أكثر عمقا، وهو “العنف المعرفي”، الذي يكرّس الهيمنة على تدفقات المعلومات بهدف احتكار السرديات ومنع أخرى من الظهور.
واليوم، يتجدّد هذا النقاش في البيئة الرقمية، حيث أصبحت الخوارزميات العمود الفقري لإنتاج وتوزيع المعلومات، فهي لا تنقل الواقع فقط، بل تعيد تشكيله، عبر تحديد ما يُرى وما يُخفى.
الخوارزميات وتوجيه الرأي العام
تتحكّم الخوارزميات في تدفّق المعلومات، وتحدّد الرسائل والأفكار التي تصل إلى المستخدمين، وغالبا ما يعتمد الجمهور على “المعلومات الأولية” التي تُضخمها هذه الأنظمة، مما يؤدي إلى تشويه السرديات والوقائع.
كما تلعب محركات البحث دورا محوريا، مثل خوارزمية “PageRank” التي أحدثت ثورة في تنظيم المعلومات، لكنها في الوقت ذاته كرّست مركزية التحكم في الوصول إلى المعرفة.
في هذا السياق، تظل شركات التكنولوجيا الكبرى متمركزة في دول الشمال، مما يعني أن بنية المنصات نفسها تميل إلى معايير معينة في تصفية وعرض المحتوى.
التزييف العميق واضطراب المعلومات
يزيد التزييف العميق (Deepfake) من تعقيد المشهد، حيث يمكن إنتاج فيديوهات وصور وأصوات مزيّفة يصعب التمييز بينها وبين الحقيقة، باستخدام تقنيات التعلّم العميق.
وقد استُخدمت هذه التقنيات منذ 2017 في فبركة محتويات، من بينها فيديوهات لشخصيات عامة، مما يجعلها أداة خطيرة للتضليل والتأثير على الرأي العام.
إلى جانب ذلك، برز مفهوم “اضطراب المعلومات”، الذي يشمل المعلومات المضللة والمغلوطة والضارة، والتي قد تكون أحيانا صحيحة لكنها تُستخدم خارج سياقها للإضرار بالأفراد أو المؤسسات أو الدول.
في اليوم العالمي لحرية الصحافة، لم يعد التحدي فقط في حماية الصحافي، بل في حماية الحقيقة نفسها. فالخوارزميات، رغم كونها أدوات تقنية، أصبحت فاعلا سياسيا وإعلاميا يعيد تشكيل الواقع، ويحدّد من يتحدث ومن يُهمّش.. ويبقى السؤال مفتوحا:
هل نحن أمام ثورة معلوماتية تعزّز حرية التعبير، أم أمام نظام رقمي يعيد إنتاج الهيمنة بوسائل أكثر ذكاءً وخفاءً؟




