الثقافة

محمد فوزي ملحن النشيد الوطني ” قسما “

يعد الملحن والمطرب والممثل محمد فوزي، واحد من عمالقة التلحين في القرن العشرين بل حتى أن البعض يعتبره المجدد الثاني في الأغنية العربية بعد محمد القصبجي، فهو قامة فنية استثنائية، ملحن متجدد وعصري وسابق لزمانه، تمتلئ ألحانه بالتعبير الموسيقي فهو غني الجملة الموسيقية وبسيطها بنفس الوقت ، فأبهر الجميع بفنه وما زال يبهرهم حتى الآن، وما زالت موسيقاه تعيش بيننا. ولاسمه معزة وتقدير خاص عند الجزائريين لأنه هو الذي لحن النشيد الجزائري الحالي الذي قدمه هدية للجزائر بعد تأليفه على يد الراحل مفدي زكريا. 

يملك محمد فوزي، من التنوع ما لا يملكه غيره من الملحنين في ذلك الزمان، فله القدرة على إيصال ما يريد من معنى وبكل سلاسة إلى المستمع حتى أن الكثيرين قلدوه في طريقته هذه، ومنهم محمد عبد الوهاب وكمال الطويل. فتمتع فوزي بشخصية متفائلة طموحة، كما ظهر من نشاطه في الإنتاج السينمائي وإنشائه مصنعا خاصا لإنتاج الاسطوانات.

اشتهر محمد فوزي، بأغاني أفلامه، وألحانه الشهيرة للأطفال، ولا يوجد أحد يلحن برشاقة، وهذه الطريقة في التلحين أتته بعفوية وصدق أما غيره فكان يصطنعها . ولأن جمل محمد فوزي كانت مرحة جداً وخفيفة الظل ( وهذا نتيجة شخصيته المرحة جداً) فقد استطاع ببساطة أن ينتزع مكانة هامة في قلوب مستمعي أغانيه .

أما كيف لحن محمد فوزي، النشيد الوطني الجزائري قسما : فيروي د. محمد أبو الفتوح، الذي كان صحفيا بإذاعة صوت العرب ويخاطب الثوار الجزائريين من جوان 1957 إلى جويلية 1962 القصة الكاملة والظروف الي أدت لتسجيل قسما واعتبارها النشيد الوطني الجزائري.

فقد عرضت المقاطع الشعرية لمفدي زكريا على ملحنين هما “محمد عبد الوهاب وعلي إسماعيل، لكن محمد فوزي، احتج لأنه لم يسمح له بتلحين نشيد ثوري توجب عروبته المشاركة في معركة التحرير.

ويصف الأستاذ أبو الفتوح الحادثة بقوله أن ” القائمين قد ترددوا في البداية ذلك لأن “محمد فوزي ” كان مختصا في الأغاني الخفيفة والألحان العاطفية، وليس بالملحن المناسب لنشيد تتفجر فيه المشاعر على العدو ويلهب الحماس في الجبال، فكان الرد عليه بالموافقة شريطة أن يعجب اللحن قادة الثورة وفعلا كان اللحن قويا جدا قوة سواعد رجال الثورة ولحنه محمد فوزي على نفقته ودفع للموسيقيين أجورهم ،ونال إعجاب قادة الثورة، حتى أن الراحل “عبد الحفيظ بوصوف ” طالب إعادته مرات عديدة في اليوم ليحفز المجاهدين.

رحلة المجد تبدأ من الريف

في قلب الريف المصري الفقير والبعيد، ولد بقرية كفر الجندي بمحافظة الغربية يوم 28 اوت 1918، وجاء الى القاهرة، والتحق بمعهد فؤاد الأول للموسيقى، بعد سنوات من المعاناة منذ قدومه إلى القاهرة، حيث لم يكن هناك من يشاطره الحلم غير شقيقته هدى سلطان التي تميزت بحلاوة الصوت نفسها وامتلكت الموهبة الغنائية، ولكنها لا تملك من أمرها شيئا، فهي فرد من أفراد الأسرة وقدرها أن تعيش بعيدة عن القاهرة وتفصلها مسافات طويلة عن العاصمة الكبرى ومدينة الحلم. 

 وجد فوزي عملا في ملهى الشقيقتين رتيبة وإنصاف رشدي، ثم ذهب للعمل مع فرقة بديعة مصابني، صانعة النجوم كما كان يُطلق عليها. والتي كانت تعد في ذلك الوقت مدرسة في المسرح الاستعراضي وتلقب بملكة المسارح.

فاطمة رشدي حبيبة وملهمة

وكان فوزي، قد تعرف خلال وجوده في فرقة بديعة على الفنانين فريد الأطرش، ومحمد عبد المطلب، ومحمود الشريف، وارتبط بصداقة متينة معهم، واشترك معهم في تلحين الاسكتشات والاستعراضات وغنائها فساعدته فيما بعد في أعماله السينمائية، وقام بجولة كبرى في أنحاء مصر عاد بعدها ليلتقي بالفنانة فاطمة رشدي واكتشفت فيه فاطمة رشدي موهبة التلحين فطلبت منه أن يضع لها بعض الألحان المسرحية والاسكتشات التي كانت تقدمها مع زوجها عزيز عيد، فكانت هي أول من أكسبه الثقة في نفسه كملحن، وأول من غنت ألحانه على المسرح والسينما والإذاعة، فكانت قصة حب بين فنانة ملهمة وبين ملحن ناشئ موهوب في حاجة للتشجيع .

والطريف في مشوار” فوزي” الفني أنه حين تقدم لاعتماده في الإذاعة رأت اللجنة أنه ملحن أكثر منه مطرب فتم اعتماده ملحنا ولم يتم اعتماده مطربا إلا بعد قيام ثورة يوليو 1952، ولكن ظل حلم الغناء يراوده، وهو ما دفعه لإحياء أعمال سيد درويش التي أتاحت له الفرصة للتعاقد مع الفرقة المصرية للتمثيل والموسيقى كممثل ومغني في مسرحية “شهرزاد” لسيد درويش.

بعدما بدأ نجمه يلمع كملحن ومطرب وممثل سينمائي كان يقيم في بيت إحدى الأسر التي أحب إحدى بناتها واسمها ” هدايت “، التي فرت من الإسكندرية مع أهلها إلى القاهرة، أثناء الحرب العالمية الثانية، وكانت وقتئذ في السادسة عشرة من عمرها وكانت ملهمته للكثير من ألحانه السينمائية مثل “أنا قلبي خالي ” التي غنتها ليلى مراد في فيلم ” الماضي المجهول “، وقد كلل هذا الحب بالزواج عام 1943، وأهدت إليه زوجته الجديدة أبنائه الكبار ( المهندس نبيل والمهندس سمير والدكتور منير )  وكانت فألاً جيدا عليه فقد أصبح نجماً لامعاً يحظى بالشهرة والثروة. وزاد رصيده من المعجبات  وأنفصل عنها عام 1952

تزوج عام 1952 بالفنانة مديحة يسري كان اللقاء الأول بينهما عام 1944 عندما اشترك معاً في تمثل فيلم ” قبله في لبنان ” وطبع فيه قبلة على شفتيها، كانت هي في ذلك الوقت نجمة لامعة وهو مازال وجهاً جديداً يتحسس خطواته نحو الشهرة، فلم تلتفت إليه كثيراً بينما اهتم هو بها، وعندما لمع اسمه وتألق كنجم وبدأ في الإنتاج لنفسه، جاء بها لتلعب أمامه دوري البطولة في فيلمين من إنتاجه هما ” من أين لك هذا “، و” فاطمة وماريكا وراشيل ” . ولم يمر عام حتى كان تزوجا، وأثمر هذا الزواج بنتاً اسمها ” وفاء ” لم تعش طويلاً لأنها ولدت مصابة بمرض خطير في المخ، ثم كان مولودهما الثاني ” عمرو ” الذي أصبح بطلاً مصر في الكاراتيه. 

قصص حبه وزوجاته

وأثمر هذا الزواج عن مجموعة من الأفلام الناجحة التي جمعتهما معا، واستمر هذا الزواج عشر سنوات وانتهى بالطلاق عام 1959م  وقيل أن سبب الطلاق هو نزوة طارئة عندما اقترن اسم محمد فوزي بشقراء باريسية اسمها اليساندرا بانارو، فعلى الرغم من نجاحهما بتجاوز كافة الأزمات الفنية والزوجية، إلا أنها عجزت عن مسامحته على الخيانة، فتفهّم بدوره الأمر واتفقا على الانفصال الهادئ دون مشاكل على أن يعيش عمرو معها- علماً أنها كانت تقوم بزيارته في منزل زوجته لكي يراه ابنه ولا يتأثر بانفصال والديه.

تزوج في 28 أوت عام 1961 بزوجته الثالثة كريمة التي كانت تعشقه منذ طفولتها، وتعرف عليها فوزي عن طريق صديقه الملحن الشاب وقتها بليغ حمدي، فقررت ترك حلمها الفني من أجله وكانت هي في السادسة والعشرين، وأنجب منها ابنته الصغرى إيمان عام 1961م، ولكن بعد أعوام قليلة يصاب فوزي بالمرض الذي احتار فيه الأطباء في مصر وفي أوروبا وأمريكا، وتطلق عليها الصحافة لقب” ناعسة ” زوجة أيوب .. وظلت ترافقه في أسفاره الكثيرة طلباً للعلاج حتى وفاته.

ساند محمد فوزي ثورة 23 يوليو مع اندلاعها، وشارك في فعاليات “قطار الرحمة”، التي كان هدفها جمع تبرعات من المواطنين في سائر المحافظات، لدعم الجيش المصري عام 1952، وغنى: وحين أطلق جمال عبد الناصر سياسته لتمصير الاقتصاد المصري، ليستغني عن الأجانب الذين كانوا يتحكمون فيه، كان فوزي من أول من استجابوا للدولة، وأسس “مصر فون” عام 1958، وهي أول شركة مصرية شرق أوسطية لإنتاج وصناعة الأسطوانات. كانت تنتج الأسطوانة بسعر 35 قرشاً، غير قابلة للكسر، في حين كانت تبيعها الشركات الأجنبية بضعفَي هذا الثمن. وافتتحها وزير الصناعة حينها عزيز صدقي، وأشاد بالفكرة التي كانت توفر على مصر إنفاق العملة الأجنبية الصعبة في الاستيراد.

الشركة كانت ملء السمع والبصر حينها، وكانت تنتج لكبار المطربين وعلى رأسهم أم كلثوم نفسها، ما شجع عبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب لتأسيس شركة صوت الفن عام 1960، للغرض نفسه تقريباً.

ولكن عام 1961، وبعد صدور القوانين الاشتراكية تم تأميم شركة مصر فون وضمها للدولة، وعيّن محمد فوزي مديراً براتب 100 جنيه على الشركة التي أنفق عليها كل ما يملك، واضطر لبيع عقارات وأصول ثابتة من أجلها. لم يشمل التأميم شركة صوت الفن في ذلك الوقت. وأرجع البعض سبب ذلك لقرب عبد الحليم حافظ من جمال عبد الناصر.

وكان تأميم هذه الشركة من أكبر الصدمات في حياته بل وأعظمها. يقول المصور الشهير فاروق إبراهيم في مذكراته، إن فوزي ذهب لشركته، ففوجئ بجلوس رجل كفيف في مكتبه، وتخصيص مكتب صغير له كان في السابق غرفة للساعي الذي يخدمه. رفض فوزي الجلوس في المكتب وعاد إلى بيته، ليفاجأ بآلام شديدة في بطنه، استمرت تأتيه بين الحين والآخر، ليذهب في رحلة مع مرض استعصى على الأطباء تشخيصه. وبالفعل سافر إلى لندن في أوائل العام 1965م ثم عاد إلى مصر، ولكنه سافر مرة أخرى إلى ألمانيا بعدها بشهرين الا ان المستشفى الألماني أصدر بيانا قال فيه انه لم يتوصل إلى معرفة مرضه الحقيقي، ولا كيفية علاجه وانه خامس شخص على مستوى العالم يصيبه هذا المرض حيث وصل وزنة الي 36 كلغ، فيما بعد وأطلق على هذا المرض وقتها ( مرض فوزى )، لندرته هكذا سماه الدكتور الالمانى باسم محمد فوزي، حتى أنه عرف وقتها بـ”مرض فوزي”. اكتُشف لاحقاً أنه كان تليفاً في الغشاء البريتوني الداخلي للبطن. كان وزنه قبل المرض حوالي 90 كيلو، ولكن مع المرض النادر والذي يُعد أشد فتكاً من السرطان أصبح لا يتجاوز 37 كيلو، وهو الوزن الطبيعي لطفل في السابعة من العمر. وكمعظم المبدعين الكبار توفي محمد فوزي في عز عطائه الفني وشبابه فحرمت الأغنية العربية من أحد أهم مجددي تلك المرحلة.

أغانيه وألحانه والسينما

بلغ رصيد محمد فوزي من الأغنيات 400 أغنية منها حوالي 300 في الأفلام من أشهرها “حبيبي وعينيه” و”شحات الغرام” و”تملي في قلبي” و”وحشونا الحبايب” و”اللي يهواك اهواه” و “داري العيون ” ومجموعة من أجمل أغنيات الأطفال التي اشهرها “ماما زمانها جاية” و”ذهب الليل طلع الفجر” و”الصباح رباح “وغيرها من الأغاني الخالدة .

وممن غنى له المطربات نور الهدى، ليلى مراد، وصباح، وتميزت ألحان محمد فوزي العديد بنجاحه في استهلال اللحن بجملة مطربة قوية تكون هي أساس اللحن كله. ولم يكن يؤجل “ذروة اللحن” إلى وسطه أو نهايته أو حتى إلى نهاية المذهب كما يفعل معظم الملحنين.

كما تنوعت ألحانه أيضا بين الذوق الشرقي والغربي، واستطاع المواءمة بين الجمل البسيطة والجمل المعقدة في نفس اللحن، ومال أكثر إلى الأسلوب الشعبي لكنه استخدم أيضا الأسلوب الحديث. واشتهر لمحمد فوزي أيضا ألحان خفيفة من نوع “فرانكو آراب”، مزج فيها اللون الشرقي باللون الغربي حيث قدم “يا مصطفى يا مصطفى” والتي غناها برونوموري شقيق الفنانة العالمية داليدا والمطرب بوب عزام في عام 1961، وبعد ظهور الأغنية في السينما في فيلم “الحب كده” انطلقت عشرات النسخ من هذه الأغنية مترجمة إلى العديد من اللغات .

بدأ نشاطه السينمائي عام 1944 وظهر في أكثر من 30 فيلما أغلبها من إنتاجه حتى عام 1959، وكان أول ظهور له في دور ثانوي في فيلم “سيف الجلاد” عام 1944 أسنده إليه يوسف وهبي، وثاني أفلامه كان “قبلة في لبنان” أمام أنور وجدي ومديحه يسري. وفى خلال ثلاث سنوات استطاع فوزي التربع على عرش السينما الاستعراضية والغنائية طيلة الاربعينيات والخمسينيات. فقد كان تلقائيا موهوبا اشتهر بأغاني أفلامه، وتمتع بشخصية مرحة جذبت إليه جمهور السينما.

محمد عبيدو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button