الثقافة

سيد علي كويرات   .. اسد الشاشة

الفنان الراحل سيد علي كويرات اسم كبير من أسماء السينما والمسرح والتلفزيون.. فهو الممثل المسافر عبر الأزمنة بالنسبة لكثيرين، ليس فقط في الجزائر، وإنما في العالم العربي حيث شارك كبار المخرجين العرب في أداء الأفلام الخالدة ، ولقب “بأسد الشاشة”

الفنان القدير سيد علي كويرات من مواليد 7 سبتمبر 1933 بالعاصمة، وقد عاش طفولة صعبة. ترك بصماته في عالم المسرح و السينما الجزائرية. بدأ مشواره الفني عام (1947)، بانضمامه إلى فرقة “مصطفى كاتب” التي كانت تتخذ من النشاط المسرحي وسيلة لبث الوعي الوطني في صفوف الجزائريين، قبل سنوات من اندلاع الثورة عام (1954). فرقة أصبحت بعدها جزءاً من الفرقة الفنية التي أسستها “جبهة التحرير الوطني”.إلتحق سنة 1950 بالمسرح الوطني الجزائري ليبدأ التمثيل الى جانب فنانين كبار أمثال مصطفى كاتب و محي الدين بشطارزي و غيرهم ، وفي عام 1951 توجه إلى برلين مع فرقة “المسرح الجزائري” ثم إلى باريس سنة 1952 أين كان يؤدي نشيد “من جبالنا ” في مقاهي الجزائريين.

وسافر إلى بوخاريست في 1953 للمشاركة في المهرجان الثاني للشباب والطلبة من أجل السلام. وفي نفس العام أصبح محترفا والتحق بالفرقة البلدية للجزائر العاصمة التي كان يشرف عليها محيي الدين بشطارزي. وتوجه إلى مرسيليا في 1955 ثم إلى باريس حيث التقى بمحمد بودية وحاج عمر وميسوم و نورالدين بوحيرد.

وبعد الاستقلال التحق بالمسرح الوطني الجزائري وبدأ منذ 1963 مسيرة فنية سينمائية حافلة. تألق سنة 1963 مع أول فيلم له مقتبس من مسرحية “أبناء القصبة” مع المخرج “مصطفى بديع” ، إذ لعب دور سكير عابث، لا يهمّه شيء في الحياة، سوى إتباع أهوائه، هذا ما جعل عائلته تحتقره، وتستصغره، خاصة الأخ المنخرط في صفوف الثورة الجزائرية، لكن في الأخير تبين بأنّ هذا السكير أكثر وطنية منهم، وأنّ الثورة الجزائرية ألزمته إبقاء هذا الأمر سرا، لخطورة العمل الثوري وفطنة العدو… انتج سيد علي كويرات في العديد الأعمال المسرحية و السينمائية التي تحصلت على العديد من الجوائز الوطنية و الأجنبية ،و على رأسها جائزة “السعفة الذهبية” التي حصدها عن إنتاجه لفيلم ” وقائع سنوات الجمر ” الذي دخل باب المنافسة الدولية في “مهرجان كان الدولي ” وكذا حصوله على جائزة الفنك الذهبي لأحسن أداء رجالي على أحد اعماله المنجزة حديثا و لهذا يمكن لنا إعتباره عميد الممثلين الجزائريين مثّل في فيلم “أبناء القصبة” (1963)، المأخوذ عن نص لعبد الحليم رايس،

“يا علي مت واقفاً” هي العبارة التي ظلَّت راسخة في وجدان الجزائريين، وخاطب بها سيد علي كويرات ، علي لابوانت، أحد أكبر الثوريين في الجزائر، لحظة إعدامه في فيلم “الأفيون والعصا” (1969). الذي يعرض قصة قرية جزائرية في جميع مظاهرها أثناء المقاومة. إنها المقاومة كما يراها الذين عاشوها وتجاوبوا معها وتحملوها. يهجر الدكتور بشير الحياة المترفة إلى الجبل ، حيث مسقط رأسه ، قرية تاله التي دخلت مجال المقاومة ، تدور حلقات اللعبة القاسية والحادة التي تؤدي بسكان القرية إلى رفض نقطة من الحقيقة العميقة ، ينضم شقيق بشير أيضاً إلى المقاومة ، ويجابهان قوت الاحتلال ، يحاول ضباط الوحدات الإدارية إقامة منظماتهم بأشخاص يسيرون على هديهم .

وفي ” الأفيون والعصا ” يفند أحمد راشدي الفكرة الاستعمارية القائلة بأنه ” إذا أردت أن تحكم شعباً فاستعمل العصا ، فإذا لم تنفع فاستعمل ” الأفيون والعصا ” ، فهو يقدم تجربة قرية جزائرية في جميع مظاهرها أثناء المقاومة تتعاطف مع الثوار ، وتحاول السلطات الاستعمارية أن تروضها ، لكن عبثاً ، على الرغم من قساوة مشهد النهاية الذي يظهر عملية نسف “تالة” بالمتفجرات من طرف الجيش الفرنسي بعد فشله في جعلها تخضع لسلطته. وعندما تنسف القرية كاملة ، نشهد مسيرة أهلها نحو أعالي الجبال حيث الثوار عكس هذا الفيلم المعنى الحقيقي للتضحية والانتماء. إنها المقاومة كما يراها الذين عاشوها وتجاوبوا معها وتحملوها. يهجر الطبيب بشير الأزرق العاصمة الجزائر ليتجه إلى الجبال حيث قريته الأم “طلحة” المنغمسة في الحرب الجزائرية ليبدأ من هناك كل شيء.. في طلحة: تدور رحى لعبة مخيفة ووحشية، يلعب الأدوار فيها فلاحو القرية ويعيشونها بكل تفاصيلها. جبهتان تتنازعان، الأولى: جبهة المقاومين الجزائريين ومن بينهم علي شقيق بشير والثانية هي جبهة قوات الاحتلال، التي بسبب رغبتها العارمة بالانتصار كانت تتأرجح بين استخدام الطرق الوحشية المعروفة بفعاليتها لمواجهة المقاومين وبين إخفاء ما تعانيه من حسرة. يحيا سكان القرية بين هاتين الجبهتين وفي بداية الأمر يجدون صعوبة بالتخلي عن نظام حياتهم الذي اعتادوه ولكنهم شيئاً فشيئاً ينخرطون في الحرب. تحاول قوات الاحتلال دس ضباط للاستخبارات في (طحلة) ومن بينهم (طيب) أحد أبنائها الذي كان فيما مضى متشرداً معدماً وها هو الآن يسعى من خلال انضمامه للمكتب الاستخباراتي الانتقام من المعاملة السيئة التي عامله إياها سكان القرية فيما مضى. ينضم معظم أهالي القرية للجبهة الوطنية لتحرير الجزائر ويتراصون في صف واحد كأبطال التراجيديات القديمة لإنقاذ قرية أجدادهم. نتابع في الفيلم كل تقلبات الحرب الوحشية. . عن الفيلم كتب الناقد ابراهيم العريس : ” حيت اتجه راشدي الى أقلمه رواية الكاتب المشاكس مولود معمري التي كانت معروفة من قبل ومقروءة على نطاق واسع، ومحطّ سجالات متشعبة، كان يعرف انه إنما يمشي وسط رمال متحركة. فكان ان بالغ في سلوك درب الحذر في تحقيق فيلمه، مسقطا الكثير مما كان في الرواية من نظرات ناقدة مريرة. وهكذا تحوّل العمل على يديه الى فيلم ثوري بطولي مناهض للاحتلال الفرنسي، لكنه تحوّل كذلك الى نوع من المساءلة “الخجولة” للتاريخ بصدد ما يفعله الجمع بالفرد ودور الفرد حين يجد نفسه منساقا خلف الجمع”. من افلامه التلفزيونية الجميلة فلم (العودة) تدور احدثه حول الهجرة الى فرنسا يحلم سي لخضر بالعودة الى وطنه وقد حقق الثراء لكن يقتل من طرف عصابة . ومع سيد علي كويرات بالبطولة فاطمة بلحاج عزالدين مجوبي عثمان عريوات و كلثوم، عام 1972 كان عاما متميزا ل ” سيد علي كويرات ” .. في هذا العام كان كويرات قد اختير من قبل محمد لخضر حامينا ليلعب دور البطولة في فيلمه ” ديسمبر” وهو دور أحد رجالات المقاومة الجزائرية الذي يعذب بوحشية من قبل سلطات الاستعمار بغية انتزاع معلومات منه عن خطط المقاومة .. هذا التعذيب الذي يؤدي في النهاية الى بقظة الضمير لدى أحد ضباط العدو ويجعله يعي مدى وحشية الاستعمار واستهتاره بكافة القيم الانسانية . وضمن قائمة الافلام التي شارك بها نجد “وقائع سنوات الجمر” سنة 1974 ، وقد لعب فيه دور الشاب الذي اختار الانخراط في المسعى الثوري رغم كل المعيقات أمامه. يتناول الفيلم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للفلاحين والتعرض للتعذيب والاستعمار والنزوح، حيث يروي الفيلم قصة حياة جزائرية بين عامي 1939 و 1954 مرورا بمراحل عمرية تروي حالة الجفاف الرهيب الذي أصاب الاراضي الزراعية، وقتل المواشي، ودفع الفلاحين الى الهجرة نحو المدن، ثم ما حدث للجزائريين ابان سنوات الحرب العالمية الثانية، تم حكاية الانتخابات بين الحرب والاختيار الصعب الذي واجه الجزائر، فأحمد ” كويرات “على سبيل المثال يرحل عن القرية رغم التصاقه بها وبعد ان تعرض للتعذيب، يفقد أحمد ذويه الا ابنه الرضيع اسماعيل. شارك مع سيد علي كويرات بالتمثيل : كلثوم، ، محمد لاخضر حامينا، ليلى شينا

وهناك سنوات بعينها يتحدث عنها الفيلم مثل ( ميلاد القرية) و (عام النار) وعام (الهجرة) حتى اندلاع الثورة الجزائرية. هنا آثر محمد لخضر حامينا ، التخلي عن سهولة الموجود، للوصول إلى صعوبة طرح الأسئلة.. إذ أن المخرج انتصب دفاعاً عن المجد والتاريخ ضد الواقع الراهن الذي جعل الثورة غير قادرة على الوفاء بكل وعودها. لماذا ؟ سؤال حاول الإجابة عنه حامينا في (وقائع سنوات الجمر) فتشتت الإجابات لكن الفيلم لقى صدى كبيراً، إضافة أنه نال عام 1975، أكبر جائزة ينالها فيلم عربي حتى اليوم: (السعفة الذهبية) لمهرجان كان، في هذا الفيلم كان الواضح من جواب حامينا أن الثورة إنما كان لها هذا المصير لأن الخلل يكمن في جذورها الاجتماعية قام كويرات ببطولة فيلم “هروب حسان طيرو” سنة 1974″

فيلم “عودة الابن الضال” من إنتاج 1976 للمخرج يوسف شاهين، صور بالجزائر. حيث مثل سيد علي كويرات رفقة الفنان الكبير محمود المليجي والمغنية ماجدة الرومي “كان عمرها 14 سنة آنذاك”.، وقد لعب شخصية حسونة، ولهذا الدور قصة طريفة، فالسيناريو كان يقول إن شخصية حسونة شخصية عامل مصري وليس من المغرب العربي كما ظهر في الفيلم، ووكلت إلى الممثل المصري محمود الجندي مهمة تعليم كويرات اللهجة المصرية، لكن الجندي فشل فشلاً ذريعاً وعلق على هذا ضاحكاً: أنا كنت اللي هنسى اللهجة المصرية لو كملت معاه. وتم تعديل السيناريو وظهر لنا الفيلم كما نراه.

يعتبر الفيلم الذي كتبه صلاح جاهين ويوسف شاهين ذا طابع ملحمي حيث أفضى فيه صلاح جاهين كل مشاعره حيال الثورة وهزيمة 1967 وانتصار 1973. تدور أحداث الفيلم حول علي الذي ترك عائلته وذهب يحقق أحلامه في مصر ولكنه وقع فريسة في يد من يستغل أحلامه في مشاريع وهمية فيدخل السجن، وعندما يخرج منه يجد أخاه (طلبة) قد أخذ في يده موازين السلطة ويتحكم في عمال المصنع. و لكن عليًا بعد مروره بهذه التجربة المريرة لا يستطيع تقديم العون لعمال المصنع برغم اعتمادهم عليه ووعوده لهم.

الفيلم يمثل لحرب 1967 على أنها ناتجة عن استغلال رجال الرئيس ومن حوله لأحلامه مما جعلها تنتهي بالهزيمة. كما وضح الفيلم في النهاية أن على الشباب نسيان ما حدث والاستمرار في الحلم وتحقيق هذه الأحلام داخل بلادهم.

وقد أوضح صلاح جاهين هذا في واحدة من أروع الأغنيات مفترق الطرق التي غنتها ماجدة الرومي من ألحان كمال الطويل وتوزيع د.جمال سلامة وأوبريت الشارع لنا الذي اشترك في تلحينه بليغ حمدي وسيد مكاوي وغنته ماجدة الرومي بالاشتراك مع ماهر العطار الذي قام بالأداء الصوتي لشخصية إبراهيم (هشام سليم) وأمين الموجي الذي قام بالأداء الصوتي لشخصية علي (أحمد محرز) وأغنية (باي باي) التي غنتها ماجدة الرومي ولحنها سيد مكاوي.

كما قام الراحل ببطولة فيلم “الشبكة رايحة وين ” سنة 1976 للمخرج غوتي بن ددوش؛ والأقدار الدامية” لخيري بشارة سنة 1980. وهو إنتاج مشترك مع الجزائر. ولم يحظ هذا الفيلم بأية فرصة للعرض داخل مصر لأسباب عديدة. وحاول خيري بشارة في فيلمه الأول أن يصور وضع مصر عشية حرب ،1948 وذلك من خلال تعرضه للتناقض القائم بين طبقتين اجتماعيتين: الطبقة البورجوازية الحاكمة والمالكة وبين الطبقة العاملة والفلاحين. وقامت نادية لطفي بالبطولة مع أحمد محرز ويحيى شاهين وأحمد زكي. وقد مزج خيري بشارة في هذا الفيلم (الجانب التسجيلي) من خلال متابعته لحرب فلسطين (بالجانب الروائي) من خلال تصويره للوسط البورجوازي الجامد، وتشويه صورته بشكل مبالغ فيه ومقصود، على عكس تصويره لحياة الريف والفلاحين الذي تميز بواقعية شديدة بالغة الدقة.؛ و”الضحايا” سنة 1982 و فيلم “صحراء بلوز ” سنة 1991 و فيلم “المهاجر ” سنة 1994 و فيلم “المشتبه فيهم “لكمال دهان سنة 2004 يثير فيلم «المشبوهون» المقتبس عن نص رواية ”الحراس” للراحل الطاهر جاووت وتجسيده قضية من الذي استفاد من الثورة وانتصار حرب التحرير، على خلفية قصة حب بين اخصائية نفسية جزائرية تعود الى الوطن لإنجاز رسالتها حول الصدمات النفسية الناتجة عن حرب الجزائر، ومخترع فنان شاب يبحث عن الاعتراف بمواهبه. يستأمنها صديق قديم للأسرة من المناضلين القدماء على شريط مسجل فيه ذكرياته، وآراءه في شخصيات أصبحت مرموقة، واستفادت من الثورة، يظل هو في الظل ويسعى من اجل الحقيقة التي تكلفه في النهاية حياته بطلقة رصاص ممن لا يريدون اظهار الحقيقة. يسقط وهو يقول «هكذا تمنيت أن أموت». حين يبرز الفيلم صور التيار المتشدد من خلال الموقف العدائي ضد الفنان الشاب ومعرضه الذي ضم لوحات وجدوا انها خارجة عن افكارهم المتزمتة . وفيلم “خالي وتيلغراف” سنة 2007. و فيلم “موريتوري ” لعكاشة تويتة (2007). في فيلم “الأجنحة المتكسرة” (2009) للمخرج والروائي رشد جغوادي. في هذا الفيلم لعب دور الرجل العطوف الذي يحب الخير، ويحنو على الأطفال، حتى أنه تبنّى الطفل عادل، القادم إلى الجزائر العاصمة بحثاً عن عمل ومأوى، مترجماً صوته في الفيلم: “ما تخافش يا وليدي.. راني هنا”.

وتجدر الإشارة إلى أن آخر الأعمال التي شارك فيها الممثل سيد علي كويرات، فيلم “المفتش بوب” المقتبس عن إحدى روايات ياسمينة خضرة، للمخرج والمنتج بشير درايس.

لم يتوقف الفنان الراحل سيد علي كويرات عن الإبداع والعطاء الفني حتى آخر سنوات حياته، فقد حرص على المشاركة والحضور ممثلا في أولى الأعمال السينمائية الطويلة التي أنتجتها شركته السينما ”كويرات برود” بعنوان ”ميستا” للمخرج كمال يعيش، عبر ظهور بطل ”الأفيون والعصا” لمدة دقيقة تعتبر آخر لقطة أمام الكاميرا في مسيرة البطل الراحل.

مسار فني طويل دام امتد ل 60 سنة أثرى من خلاله سيد علي كويرات الساحة الفنية الجزائرية تاركا وراءه فراغا كبيرا، إلا ان اسمه يبقى محفورا في ذاكرة كل الجزائريين لأنه قدم الكثير للثقافة الجزائرية مخلدا أعمالا تبقى مراجع للأجيال الصاعدة بعد انتقاله إلى جوار ربه.

محمد عبيدو

Back to top button