ضاعف الحراك الطلابي في فرنسا عجز حكومة سيباستيان لوكورنو عن احتواء الغضب الاجتماعي المتصاعد وسط أزمة مالية واقتصادية لا يلوح لها حلّ في الأفق، حيث تستعد البلاد لاحتجاجات واسعة الأسبوع القادم، وهي لا تزال تحصي خسائر “الغضب الطلابي”.
وقالت صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية إن دعوات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي حظيت باهتمام كبير لتوحيد الحركات الاحتجاجية وتنظيم تعبئة مشتركة في 17 أكتوبر المقبل المصادف لأول أيام العطلة الدراسية، حيث تتزايد موجات الاحتجاج في فرنسا على خلفية أزمة الوقود وغضب طلاب المدارس الثانوية وتحركات نقابات رجال الإطفاء، بالتوازي مع تصاعد المواجهات المتوترة مع الشرطة وحديث عن عودة مظاهرات “السترات الصفراء”.
ودعا جان لوك ميلانشون، زعيم حزب “فرنسا الأبية” ومرشحها للانتخابات الرئاسية، اليوم السبت، طلاب المدارس الثانوية والجامعات إلى اعتماد “استراتيجيات سلمية” خلال التحركات الاحتجاجية المقررة في 17 أكتوبر، محذراً من أن الاحتجاجات الحالية هي الأوسع نطاقاً منذ خمسة عقود.
تجاوزات أمنية وانتقادات حقوقية…
وتواجه أساليب تدخل الشرطة الفرنسية العنيف خلال الاحتجاجات الطلابية موجة متصاعدة من الانتقادات، على خلفية إصابات بالغة طالت حتى القُصَّر منهم، في حوادث أعادت الجدل بشأن استخدام الأسلحة المخصصة لتفريق المتظاهرين ومدى تناسب القوة المستخدمة مع الموقف.
وأفادت وكالة رويترز، في تحقيق نشرته اليوم السبت، بأنها وثقت 28 حالة إصابة ناجمة عن استخدام القوة من قبل قوات الأمن، فيما تخضع 24 قضية مرتبطة بالتدخلات الأمنية للتحقيق من قبل هيئة التفتيش الداخلي للشرطة الفرنسية، بينما تشمل الحالات التي وثقتها الوكالة 15 حالة ضمن التحقيقات الجارية.
وشملت الإصابات تلك الناجمة عن الرصاص المطاطي والقنابل الصوتية والغاز المسيل للدموع والهراوات والتدخلات باستخدام الخيالة. ومن أبرز هذه الحالات إصابة الطالب إيدن، البالغ من العمر 14 عاماً، بكسر في الفك وتحطم عدة أسنان بعدما أصابته قنبلة مسيلة للدموع أطلقها شرطي من مسافة قريبة في مدينة سانت أوين لومون.
واستناداً إلى إفادات أسرته ومحاميها، كان الطالب يجلس على جدار ويتفقد هاتفه على بعد أمتار من موقع الاحتجاج قبل تعرضه للتدخل الأمني العنيف. وقد تقدمت أسرته بشكوى بتهمة الشروع في القتل، فيما وضع الشرطي قيد التحقيق الرسمي للاشتباه في ارتكابه أعمال عنف بصفته موظفاً عمومياً تسببت في عاهة أو تشوه دائم.
والدة الطالب قالت إنه خضع لعملية جراحية وأصبح عاجزاً عن الكلام ولا يستطيع تناول الطعام إلا باستخدام مصاصة. كما تضمنت شهادات محامين عن عائلات بعض الموقوفين القاصرين انتقادات لظروف احتجازهم، بما في ذلك طول مدة بقائهم داخل الزنازين والتهديدات التي قالوا إن بعضهم تعرض لها.
ولم تقتصر الإصابات على هذه الحالة، ففي مدينة لانس، فقد مراهق يبلغ 15 عاماً إحدى يديه في حادث يرجح ارتباطه بقنبلة صوتية. وذكرت صحيفة “ذا غارديان” البريطانية أن وزير الداخلية الفرنسي، لوران نونيز، علق استخدام القنابل الصوتية خلال الاحتجاجات الطلابية عقب الحادث، إلى حين اتضاح ملابساته. وأكدت التغطية أن التحقيق لم يكن قد حسم بصورة نهائية ظروف الإصابة أو الآلية الدقيقة التي أدت إلى فقدان الطالب ليده.
كما أوردت “رويترز” إصابة طالب يبلغ 16 عاماً في عينه بضاحية أرجنتوي، مع احتمال تعرضه لعاهة دائمة، دون حسم نوع المقذوف الذي أصابه. وأشارت الوكالة إلى حالتين أخريين تعرض فيهما أشخاص لإصابات في العين أو فقدان البصر بسبب الرصاص المطاطي.
وأعادت هذه الوقائع فتح النقاش بشأن استخدام الشرطة الفرنسية الرصاص المطاطي وقاذفات القنابل في عمليات “حفظ النظام”. وذكرت “رويترز” أن منظمات حقوقية، بينها منظمة العفو الدولية وخبراء أمميون في حقوق الإنسان، سبق أن انتقدوا استعمال هذه الأسلحة بسبب مخاطرها، فيما دعت منظمات حقوقية وسياسيون إلى حظرها نهائياً. كما أثارت هذه التجاوزات غضباً شعبياً وعززت الدعم للحركة الاحتجاجية التي تمثل أحدث مظاهر السخط الشديد تجاه حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون قبل انتخابات عام 2027.
غضب اجتماعي متصاعد وموزانة تقشفية يهدّدان حكومة لوكورنو
وبين القمع الطلابي واتهام أحزاب بالاستغلال السياسي لحركة احتجاجية تطالب بتحسين ظروف الدراسة وزيادة الموارد المخصصة للمدارس، وسط شكاوى تتعلق بنقص المدرسين وتدهور المباني التعليمية، يتفاقم عجز حكومة سيباستيان لوكورنو عن امتصاص الغضب الاجتماعي المتصاعد والذي يتقاطع في ضرورة تخصيص موارد مالية إضافية لتحسين الأوضاع المهنية والاجتماعية، بينما تسعى الحكومة إلى توفير أرضية دعم لتوجهاتها المالية التي يطبعها التقشف في برلمان مشتت.
ويبدو الطريق معقداً جداً أمام سلطات الجمهورية الخامسة، حيث تبرز الفجوة بين مطالب المحتجين وإمكانات الحكومة في دعوة المتحدثة باسم الاتحاد الطلابي، صابرين خرباش، إلى توفير 10 مليارات يورو إضافية (11.18 مليار دولار) لقطاع التعليم من أجل زيادة المقاعد الجامعية، وترميم المباني، وتغيير نظام القبول الجامعي.
وفي المقابل، يتضمن مشروع موازنة 2027 إجراءات جديدة لتحسين المالية العامة بقيمة 43 مليار يورو (48.06 مليار دولار) وفق وثائق رسمية، وتستهدف الخطة خفض العجز إلى 5% من الناتج المحلي، مقابل 5.4% متوقعة هذا العام، في حين أن السقف الذي يحدده الاتحاد الأوروبي للدول الأعضاء هو 3%.
وتبلغ الديون العامة الفرنسية 3.6 تريليونات يورو (نحو 4.02 تريليونات دولار)، وهي تعادل 119% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية الربع الثاني من 2026، حسب معهد الإحصاء الفرنسي. وارتفعت الديون في ذلك الربع بمقدار 59.6 مليار يورو (66.61 مليار دولار)، بعد زيادة أكبر في الربع الأول، مما يحد من هامش المناورة المالية أمام باريس التي تعاني من ضغط النفقات الاجتماعية على حسابات الموازنة، إذ زادت مدفوعات الصحة 4.9% ومعاشات التقاعد الصادرة عن نظام الضمان الاجتماعي والصناديق التكميلية 3.5% في 2025، وفق معهد الإحصاء.




