
تشهد البيئة الإقليمية في الساحل الإفريقي تحولات متسارعة تفرض على دول المنطقة اعتماد مقاربات واقعية ومتوازنة في إدارة علاقاتها الثنائية ومتعددة الأطراف وفي هذا السياق، تندرج التحركات الدبلوماسية الجزائرية ضمن رؤية استراتيجية قوامها احترام السيادة الوطنية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتعزيز التعاون القائم على المصالح المشتركة.
تعتمد الجزائر بقيادة الرئيس عبد المجيد تبون، مقاربة تقوم على مبدأ “رابح–رابح”، وترتكز على توظيف أدوات الدبلوماسية السياسية والاقتصادية والتنموية لتعزيز الاستقرار في جوارها الإقليمي، ولا سيما في فضاء الساحل الإفريقي.
أولا: تعزيز الشراكة مع موريتانيا
تعد موريتانيا شريكا استراتيجيا للجزائر في بعدها المغاربي والإفريقي وقد شهدت العلاقات الثنائية خلال السنوات الأخيرة ديناميكية متصاعدة، تجسدت في تكثيف المشاورات السياسية وتوسيع التعاون الاقتصادي.
ويأتي مشروع طريق الزويرات ضمن هذا الإطار باعتباره استثمارا هيكليا يهدف إلى تعزيز الربط البري وتسهيل المبادلات التجارية، بما يخدم التنمية في المناطق الحدودية ويكرّس التكامل الاقتصادي ويندرج هذا المشروع في سياق رؤية تنموية بعيدة المدى تعزز الاندماج الإقليمي وتدعم الاستقرار عبر التنمية المشتركة.
ثانيا: تنسيق سياسي متقدم مع تشاد
عرفت العلاقات الجزائرية مع تشاد حركية دبلوماسية لافتة، عكستها الزيارات المتبادلة رفيعة المستوى، من بينها زيارة الرئيس التشادي إلى الجزائر في سبتمبر الماضي. كما قام قبل أيام وزير المحروقات والمناجم محمد عرقاب بزيارة إلى نجامينا بتكليف من رئيس الجمهورية، حاملا رسالة خطية تؤكد حرص الجزائر على تعميق التعاون الثنائي وتوسيع مجالاته.
وتؤكد هذه الديناميكية التزام الجزائر بدعم الاستقرار الإقليمي من خلال الحوار السياسي والتنسيق المستمر، بعيدا عن أي مقاربات تصعيدية أو اصطفافات ظرفية.
ثالثا: إعادة تفعيل التعاون مع النيجر
تمثل النيجر محورا أساسيا في الرؤية الجزائرية تجاه الساحل، بحكم الروابط الجغرافية والمصالح المشتركة وقد عرفت العلاقات الثنائية عودة إلى مسارها الطبيعي، مع زيارة الرئيس النيجري إلى الجزائر و الإعلان عن انطلاق مشروع الخط النيجيري وإنجاز الشق الخاص بالنيجر، في إطار شراكة طاقوية وتنموية استراتيجية.
ويعكس هذا التوجه إدراكا مشتركا لأهمية مشاريع الربط الطاقوي في تعزيز التنمية المستدامة ودعم الاستقرار الاقتصادي في المنطقة.
رابعا: توسيع آفاق التعاون مع بوركينا فاسو
شهدت العلاقات مع بوركينا فاسو تطورا إيجابيا من خلال إطلاق مشاريع تعاونية مشتركة في مجالات متعددة، بما يعزز التعاون جنوب–جنوب ويكرّس تبادل الخبرات في ميادين التنمية والأمن.
وتندرج هذه الخطوات ضمن مقاربة شاملة تهدف إلى بناء شراكات قائمة على المنفعة المتبادلة والاحترام المتكافئ، بما يخدم مصالح الشعوب ويعزز قدراتها الوطنية.
خامسا: الوضع في مالي
فيما يتعلق بـمالي، تمر العلاقات بمرحلة من الفتور في ظل تطورات داخلية معقدة وتؤكد الجزائر في هذا السياق تمسكها بمبدأ احترام السيادة ووحدة الأراضي المالية، ودعمها لأي مسار سياسي جامع يفضي إلى استقرار دائم يخدم الشعب المالي ويحفظ أمن المنطقة.
إن التحرك الدبلوماسي الجزائري في الساحل الإفريقي يعكس رؤية استراتيجية متكاملة قوامها التوازن والواقعية وتعزيز التنمية كمدخل أساسي للاستقرار. فبدل منطق الاستقطاب أو المنافسة الصفرية، تعتمد الجزائر مقاربة الشراكة المتكافئة التي تسعى إلى تحقيق مصالح مشتركة وتعزيز الأمن الجماعي.
وبذلك، تؤكد الجزائر تموقعها كفاعل إقليمي مسؤول، يسعى إلى الإسهام في بناء فضاء ساحلي أكثر استقرارا واندماجا، في إطار احترام السيادة الوطنية وتعزيز التعاون الإقليمي المستدام.
محمد لمين بليلي




