لماذا ما تزال ناقلات النفط تخشى مضيق هرمز رغم الحديث عن تدمير البحرية الإيرانية؟

أثارت التصريحات التي أدلى بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي قال فيها إن البحرية الإيرانية “اندثرت ولم يعد لها وجود”، دعوته لناقلات النفط إلى إظهار الشجاعة والمرور عبر مضيق هرمز، تساؤلات استراتيجية مهمة حول حقيقة التوازن العسكري في الخليج.
فإذا كانت القوة البحرية الإيرانية قد دُمّرت فعلاً، فلماذا ما تزال شركات الشحن البحري وناقلات النفط تتجنب المرور عبر المضيق؟
لفهم هذه المفارقة، يجب أولاً إدراك طبيعة البنية العسكرية الإيرانية، التي تقوم على وجود قوتين بحريتين منفصلتين بعقيدتين مختلفتين:
البحرية التابعة للجيش النظامي الإيراني،
والبحرية التابعة لقوات الحرس الثوري الإيراني.
ازدواجية القوة البحرية في إيران
تشير دراسة صادرة عن خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي بعنوان «السياسات الخارجية والدفاعية لإيران» والمنشورة في 15 مارس 2019 إلى أن إيران تمتلك قوتين بحريتين منفصلتين من حيث القيادة والمهام.
فالبحرية النظامية الإيرانية مسؤولة أساساً عن العمليات في المياه البعيدة وبحر عمان، بينما تتولى بحرية الحرس الثوري العمليات داخل الخليج العربي ومضيق هرمز.
وتوضح الدراسة أن هذا التقسيم يسمح لإيران بالجمع بين القوة البحرية التقليدية وتكتيكات الحرب غير المتكافئة في منطقة الخليج.
ما الذي استهدفته الضربات العسكرية؟
تشير تحليلات عسكرية إلى أن الضربات الأمريكية ركزت أساساً على وحدات من البحرية النظامية الإيرانية، وهي قوة تعتمد على قطع بحرية تقليدية أكبر حجماً.
ومن أبرز هذه القطع:
– فرقاطات من فئة ألفاند
– فرقاطات من فئة موج
وقد صُممت هذه السفن أساساً لخوض حروب بحرية تقليدية في أعالي البحار، وليس لمعارك الممرات الضيقة أو حرب الاستنزاف السريعة التي تميز الصراعات في الخليج.
القوة الفعلية في مضيق هرمز
تشير دراسة صادرة عن معهد الولايات المتحدة للسلام بعنوان «العقيدة العسكرية الإيرانية» والمنشورة في 2019 إلى أن الاستراتيجية البحرية الإيرانية في الخليج تعتمد بشكل أساسي على قوات الحرس الثوري.
وتقوم هذه الاستراتيجية على مفهوم الحرب غير المتكافئة، أي مواجهة الأساطيل الكبيرة باستخدام وسائل أقل تكلفة وأكثر مرونة.
وتشمل هذه الوسائل:
الزوارق الهجومية السريعة
تمتلك إيران مئات الزوارق السريعة المسلحة بالصواريخ والرشاشات الثقيلة.
وتشير دراسة نشرها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في تقرير «التوازن العسكري 2022» إلى أن هذه الزوارق مصممة لتنفيذ هجمات جماعية سريعة ضد السفن الكبيرة بهدف إرباك أنظمة الدفاع لديها.
الصواريخ الساحلية المضادة للسفن
طورت إيران منظومات صاروخية ساحلية يمكن إطلاقها من منصات متنقلة أو مواقع محصنة على طول الساحل الإيراني المطل على الخليج.
وتشير دراسة نشرها مؤسسة راند للأبحاث عام 2020 حول القدرات العسكرية الإيرانية إلى أن هذه الصواريخ تشكل أحد أهم عناصر الردع البحري الإيراني في مضيق هرمز.
الطائرات المسيّرة
طورت إيران أيضاً عدداً من الطائرات المسيّرة الهجومية، من أبرزها المسيّرة شاهد 136، وهي طائرة انتحارية منخفضة التكلفة يمكن استخدامها ضد السفن أو المنشآت الساحلية.
الألغام البحرية
تُعد الألغام البحرية من أخطر أدوات تعطيل الملاحة في الممرات الضيقة.
وتشير دراسة نشرها الكلية الحربية البحرية الأمريكية عام 2021 حول الأمن البحري في الخليج إلى أن إيران تمتلك عدة أنواع من الألغام البحرية القادرة على تعطيل حركة السفن في مضيق هرمز.
وقد أثبتت هذه الوسيلة فعاليتها في الماضي عندما أصابت الألغام البحرية الإيرانية الفرقاطة الأمريكية صامويل بي روبرتس عام 1988 خلال عملية عسكرية واسعة في الخليج.
الجغرافيا كسلاح استراتيجي
يقع مضيق هرمز بين إيران وسلطنة عمان، ويُعد أحد أهم نقاط الاختناق البحرية في العالم.
تشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية في تقريرها الصادر في يونيو 2023 إلى أن نحو 20 مليون برميل من النفط تمر يومياً عبر المضيق، أي ما يقارب 20٪ من تجارة النفط العالمية (EIA، 2023).
كما تؤكد الوكالة الدولية للطاقة في تقريرها الصادر في مارس 2023 أن المضيق يمثل الممر الرئيسي لتصدير النفط من دول الخليج، وأن مرور عشرات ناقلات النفط يومياً يجعل أي تعطيل له تأثيراً فورياً على الأسواق العالمية
ورغم هذه الأهمية العالمية، فإن الممر الملاحي الفعلي في المضيق ضيق نسبياً، إذ يبلغ عرض المسار المخصص للملاحة نحو ثلاثة كيلومترات فقط في كل اتجاه.
وفي ممر ضيق كهذا، لا تحتاج دولة ما إلى أسطول ضخم لإغلاقه، إذ يمكن لعدد محدود من الزوارق السريعة أو الصواريخ الساحلية أو الألغام البحرية أن يعطل حركة الملاحة بشكل مؤقت.
لماذا تتردد ناقلات النفط في المرور؟
رغم التصريحات السياسية، فإن شركات الشحن البحري وشركات التأمين تعتمد في قراراتها على تقييمات المخاطر الفعلية.
وهناك ثلاثة عوامل رئيسية تفسر استمرار الحذر:
أولاً: خطر الألغام البحرية
حتى لغم واحد يمكن أن يلحق أضراراً كبيرة بسفينة ضخمة.
ثانياً: تكتيك الهجوم الجماعي
هجوم منسق لعشرات الزوارق السريعة المسلحة بالصواريخ قد يشكل تهديداً لأي ناقلة نفط.
ثالثاً: ارتفاع تكاليف التأمين البحري
تشير تقارير سوق التأمين البحري إلى أن تصنيف منطقة ما كمنطقة حرب يؤدي إلى ارتفاع كبير في أقساط التأمين على السفن.
خلاصة
إن الصراع في مضيق هرمز لا يُحسم بعدد السفن الحربية الكبيرة، بل بقدرة أي طرف على تعطيل الممر الملاحي الضيق الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية.
ولهذا السبب تحديدا، حتى لو تعرضت بعض وحدات البحرية التقليدية الإيرانية لأضرار، فإن منظومة الحرب غير المتكافئة التي يعتمد عليها الحرس الثوري — والتي تقوم على الزوارق السريعة والصواريخ الساحلية والألغام والطائرات المسيّرة — ما تزال قادرة على تهديد الملاحة في المضيق



