الأخبارالجزائرالدبلوماسيةالدولي

اعتبارات موضوعية وخلفيات كامنة… لهذا صوّتت الجزائر على “خطة السلام في غزة”

فصّل وزير الدولة وزير الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، اليوم الثلاثاء، في الاعتبارات والخلفيات التي دفعت الجزائر للتصويت على “خطة السلام في غزة”، خلال جلسة مجلس الأمن الدولي، أمس الاثنين، مؤكدا أن التصويت كان تجاوبا مسؤولا مع الموقف الفلسطيني والعربي والإسلامي، دون أدنى إخلال، لا بثوابت موقف الجزائر التاريخي المناصر للقضية الفلسطينية، ولا بثوابت الإجماع العربي حول سبل تسوية القضية الفلسطينية، ولا بثوابت الحل العادل والدائم والنهائي المتوافق عليه دوليا للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.

وقال أحمد عطاف، اليوم خلال مؤتمر صحافي، إن الجزائر وفي المنعطف الأخير من عهدتها في مجلس الأمن الدولي لا تزال تحرص على أن تكون عهدة الوفاء، مثلما وجه بذلك رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، الوفاء لهوية الجزائر وتاريخها النضالي، والوفاء لانتماءات الجزائر العربية والإسلامية والإفريقية، والوفاء للقيم والمبادئ والمثل المكرسة في ميثاق الأمم المتحدة، وأنها تحرص على أن لا تحيد عن النهج الذي سارت عليه منذ بداية العهدة وتتأهب بكل ثقة وبكل مسؤولية لتسليم المشعل لأشقائها من الدول العربية والإفريقية التي ستلتحق بمجلس الأمن مطلع العام المقبل. وقدّم رئيس الدبلوماسية الجزائرية بشكل مفصل الرؤى والتحاليل وكيفية تفاعل الجزائر مع التطورات انطلاقا من المسؤوليات الملقاة على عاتقها بصفتها ممثلة للفضاء العربي، وفي ذات الحين ممثلة للقارة الإفريقية في مجلس الأمن الأممي.

 أولويات استعجالية تفرض نفسها اليوم

أكد أحمد عطاف أن الجزائر صوّتت لصالح خطة السلام في غزة، وهو القرار الذي بادرت بتقديمه الولايات المتحدة الأمريكية اعتدادا بجملة من الاعتبارات الموضوعية المتعلقة أولا بالأهداف الجوهرية لهذا القرار، ثم ثانيا بالخلفيات الكامنة وراءه، ثم ثالثا وأخيرا بمواقف أبرز الفواعل الإقليمية إزاءه. وقال عطاف إن الأهداف الجوهرية لهذا القرار تندرج أساسا في إطار ما يمكن تسميته بالأولويات المستعجلة للمرحلة الراهنة، أو أولويات ما بعد العدوان على غزة، وهي أولويات رباعية الأبعاد، أولها تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار، فتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، وبُعدها الثالث تمكين جهود الإغاثة الإنسانية في غزة دون قيود أو شروط، أما بُعدها الرابع والأخير فهو تمهيد الطريق لإطلاق مسيرة إعادة الإعمار في غزة، مؤكدا أن هذه هي الأولويات الاستعجالية التي تفرض نفسها اليوم، وهي ذات الأولويات التي لم تتوقف الجزائر عن المرافعة من أجلها منذ بداية عهدتِها بمجلس الأمن، ثلاثة أشهر بعد شنّ العدوان الإسرائيلي السافر على غزة. وقال: “وأعتقد بكل أمانة وإخلاص أن القرار المعتمد يوفر أرضية ملزمة للدفع نحو التكفل بهذه الأولويات الاستعجالية دون المساس بثوابت حلّ القضية الفلسطينية”.

وفي السياق، ذكّر أحمد عطاف بجملة من العناصر، أولها أن القرار المعتمد يشدّد على ضرورة احترام وقف إطلاق النار ويرفض أي مسوّغات أو مبررات لاستئناف العدوان الإسرائيلي على غزة، ثانيا، القرار المعتمد يؤسّس في سابقة لافتة لنشر قوة دولية لحفظ الأمن والاستقرار في غزة، وهو ما يعدّ في حد ذاته تطورا بارزا في تاريخ القضية الفلسطينية نحو توفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، ثالثا أن القرار المعتمد يؤكد في ملحقه على رفض التهجير القسري، مثلما أنه يرفض المخططات الإسرائيلية الرامية لضم أو احتلال غزة بالقوة العسكرية، رابعا، القرار المعتمد يدعو إلى رفع كافة القيود والحواجز أمام جهود الإغاثة الإنسانية الموجهة للشعب الفلسطيني في غزة، وخامسا وأخيرا، القرار المعتمد يمهّد الطريق لإطلاق مسار إعادة الإعمار في غزة، لا سيما عبر تعبئة المؤسسات المالية العالمية للمساهمة في هذا الجهد الدولي.

وأكد عطاف بخصوص ثوابت القضية الفلسطينية، أن القرار المعتمد لا يمسّ البتة بمرتكزات الحل العادل والدائم والنهائي للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني على النحو الذي أجمعت عليه المجموعة الدولية، وبما يتوافق مع قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، وأضاف أن القرار المعتمد يذكّر بجميع القرارات السابقة لمجلس الأمن المتعلقة بالقضية الفلسطينية، وهي القرارات التي تشكّل العقيدة الأممية لتمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه الشرعية والمشروعة، من خلال إنهاء احتلال أراضيه، وتجسيد مشروعه الوطني، وتمكينه من إقامة دولته المستقلة والسيدة.

 الجزائر تمكنت من إدخال تعديل بالغ الأهمية على خطة السلام في غزة

وكشف رئيس الدبلوماسية الجزائرية أن الجزائر تمكّنت، خلال المفاوضات، من إدخال تعديل بالغ الأهمية على هذا القرار، وهو التعديل الذي يوضّح أن المقصد النهائي من هذا القرار يتمثل في توفير الظروف المواتية لفتح أفق الحل السياسي للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني وتمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة والسيدة.

وأوضح وزير الدولة وزير الخارجية الجزائري أن خلفيات القرار تتمثل في كون أن المبادرة بطلب عرض ما سمّي بـ “خطة السلام في غزة” على مجلس الأمن بهدف استصدار قرار بشأنها، قد جاءت أصلا من الدول العربية المشاركة في قمة شرم الشيخ التي انعقدت بمصر منتصف الشهر المنصرم، والتي أفضت إلى اعتماد خطة السلام، قد شهدت أيضا مُطالبات عربية بإقرار إضفاء القوة القانونية والصيغة التنفيذية على “خطة السلام في غزة” من قبل مجلس الأمن الأممي، وثانيها إخراج هذه الخطة من الدائرة الضيقة للمشاركين في قمة شرم الشيخ وإعطاؤها طابعا أوسع وأشمل، ألا وهو الطابع الدولي. وأضاف الوزير أن الغاية الثالثة “تتعلق بوضع تنفيذ خطة السلام هذه تحت قبة الأمم المتحدة، وبهذا إكسابها الضمانة الأهم، ألا وهي الضمانة الأممية التي تكفل تجسيدها على النحو الذي لا يتعارض مع مبادئ ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة وسائر اللوائح الأممية ذات الصلة بالصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، والتي تشكل ما نسميه بالشرعية الدولية”.

وفي كلمته، عرض أحمد عطاف مواقف أبرز الفواعل الإقليمية إزاء هذا القرار، مؤكدا أن الجزائر أخذت على عاتقها منذ بداية عهدتها الحالية بمجلس الأمن أن تنسّق جميع خطواتها وتحركاتها ومبادراتها مع أشقائها الفلسطينيين بصفة خاصة ومع أشقائها العرب بصفة عامة، وذلك عبر البعثة الفلسطينية والبعثات العربية الممثَّلة لدى منظمة الأمم المتحدة، وأضاف أن الجزائر اعتمدت ذات المقاربة خلال مرحلة المفاوضات حول مشروع القرار، حيث عملت بالتنسيق التام مع جميع هذه البعثات بنيويورك.

وفي السياق، تحدّث عطاف عن موقف السلطة الوطنية الفلسطينية التي كان لها موقف واضح وصريح من مشروع القرار الأمريكي، حيث أصدرت بيانا رسميا تؤيد فيه هذا المشروع وتدعو فيه الدول الأعضاء في مجلس الأمن لاعتماده، وأعربت عن ترحيبها وارتياحها ودعمها فور تبني مجلس الأمن لهذا القرار، وهو حال الدول العربية والدول الإسلامية المشاركة في قمة شرم الشيخ، والتي أصدرت هي الأخرى نهاية الأسبوع الماضي بيانا مشتركا تحثّ فيه مجلس الأمن على الإسراع في اعتماد مشروع القرار الأمريكي وأصدرت بيانات ترحيبية عقب جلسة التصويت.

 لا حياد عن موقف الأشقاء الفلسطينيين ولا خروج عن إطار التوافق العربي والإسلامي

وقال أحمد عطاف إن الجزائر لا تملك أن تحيد عن موقف الأشقاء الفلسطينيين، ولا تملك كذلك أن تخرج عن إطار التوافق العربي والإسلامي المؤيّد لمشروع القرار والداعي لاعتماده من قبل مجلس الأمن، ولا تملك أخيرا أن تتبنى موقفا مناقضا لما رافعت من أجله من قبل، ألا وهو ضرورة اعتماد قرار استعجالي مُلزم من أجل رفع كل أشكال المعاناة المسلطة على الشعب الفلسطيني في غزة. وأكد أن مثل هذا الموقف لا يمثل تغاضيا عن النقائص التي شابت مضمون القرار، بقدر ما هو تجاوب مسؤول مع الموقف الفلسطيني والعربي والإسلامي، دون أدنى إخلال، لا بثوابت موقف الجزائر التاريخي المناصر للقضية الفلسطينية، ولا بثوابت الإجماع العربي حول سبل تسوية القضية الفلسطينية، ولا بثوابت الحل العادل والدائم والنهائي المُتَوافق عليه دوليا للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.

أحمد عطاف أشار إلى أن الكل يدرك أن “قرار مجلس الأمن لم يكن كاملا أو مثاليا على النحو الذي أردناه وأراده غيرنا من الدول العربية والإسلامية”، مستدلا بأن القرار لا يعالج أولاً الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني في شموليته، بل يركز على جزء معين منه، ألا وهو العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، وعلى مرحلة معينة بذاتها، ألا وهي المرحلة الاستعجالية لما بعد العدوان وما تطرحه من أولويات أمنية، وعسكرية، وإنسانية، واقتصادية. وأضاف أن “هذا القرار يحدّ ثانيا، وبصفة مؤقتة، من الدور المَنُوطِ بالسلطة الفلسطينية في إدارة شؤون الفلسطينيين، لحين استكمال عملية الإصلاح التي تعهدت بها السلطة الفلسطينية وشرعت في تنفيذها بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني”، كما أن الغموض يكتنف كثيرا من الترتيبات المؤقتة التي يطالب بتفعيلها، لا سيما ما تعلق بتشكيلة ومهام مجلس السلام في غزة، وكذا تشكيلة ومهام القوة الدولية لحفظ الاستقرار في غزة، إضافة إلى أن القرار لا يتكفل بمعالجة الأسباب الجذرية للصراع، على النحو الذي يضمن توحيد الأراضي الفلسطينية، وإنهاء احتلالها، وتوفير الشروط الضرورية لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة والسيدة، وأوضح الوزير أن كل هذه الملفات تمّ تأجيل الخوض فيها إلى حين استكمال المسار الإصلاحي الذي باشرته السلطة الفلسطينية، وبعد التأكد من استعدادها لتحمل المسؤوليات الوطنية المنوطة بها في هذا الشأن.

 “الجميع يدرك النقائص.. وحتمية الحتميات تثبيت وقف إطلاق النار”

أحمد عطاف أشار في كلمته إلى الأولوية بالنسبة للقضية الفلسطينية في الظرف الراهن بالقول: “الجميع يدرك تمام الإدراك هذه النقائص، لكن ضرورة الضروريات، وأولوية الأولويات، وحتمية الحتميات في الظرف الراهن تكمن في تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار، وإنهاء جرائم الإبادة والتجويع والتنكيل التي لم يعد بمقدور أهلنا في غزة تحمّل أكثر مما تحملوه منها على مدى سنتين”. وأضاف أن الضرورة والأولوية والحتمية تكمن أيضا في تمكين جهود الإغاثة الإنسانية، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، وكذا تجريد القوة القائمة بالاحتلال من أي ذريعة أو مسوّغ لاستئناف الحرب على غزة، وإعادة إحياء مخططاتها الرامية إلى تهجير الفلسطينيين خارج أراضيهم وفرض سيطرتها على غزة بالقوة العسكرية.

وخلص عطاف إلى أن الجزائر احتكمت لكل هذه الاعتبارات الموضوعية بكل مسؤولية، وبكل التزام، وبكل حكمة، وبكل تبصر، في اتخاذ قرارها السيادي بالتصويت لصالح مشروع القرار هذا في مجلس الأمن، مضيفا أن الجزائر تتطلع لأن تسهم هذه الخطوة في التخفيف من وطأة المآسي المسلطة على الشعب الفلسطيني في غزة، وأن تُتْبَعَ في المراحل المستقبلية بخطوات مماثلة تتكفل بالأسباب الجذرية للصراع وتضمن التسريع بقيام الدولة الفلسطينية المستقلة والسيدة، كحلّ عادل ودائم ونهائي للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وكشرط لا غنى عنه ولا بديل له لاستعادة الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط بأسرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button