
أصدر المركز المغربي لحقوق الإنسان تقريرا أسود عن واقع الصحة في المملكة، وكيف تسبّب المخزن في انتهاك حق المواطن في الصحة ومنه الالتزامات الدولية المتعلقة بالحقوق الأساسية.
وذكر التقرير الصادر، أمس الجمعة، والذي أنجزته اللجنة العلمية لخدمة حقوق الإنسان، أن المنظومة الصحية العمومية بالمغرب تعيش أزمة خانقة تهدّد الحق الدستوري للمواطنين في الصحة، كما تشكّل خرقا لالتزامات المغرب الدولية. وقال إن المستشفيات المحلية، الإقليمية والجهوية وحتى الجامعية تحوّلت إلى فضاءات للمعاناة بدل العلاج، حيث تتوالى شهادات المرضى وذويهم عن الإهمال والرشوة وسوء التدبير والتعنيف والإهانة، في ظل غياب رؤية حكومية إصلاحية حقيقية.
وأكد التقرير أن الاحتجاجات أمام مستشفى أكادير والدار البيضاء وغيرها من المدن المغربية على إثر وفيات مأساوية، نتيجة الإهمال الطبي، غياب الكوادر أو عطب في التجهيزات الأساسية، ليست حوادث معزولة، بل صور صادمة لأزمة متجذّرة تعكس اختلالات بنيوية، وأضافت اللجنة أن التقرير يضع الحكومة المغربية أمام مسؤولياتها التاريخية، إزاء قطاع من القطاعات الحيوية التي يبنى عليها حاضر ومستقبل الشعب المغربي.
واستدل التقرير بمظاهر الفساد المتعدّدة والمختلفة التي تعاني منها معظم المستشفيات المغربية، مثل فقدان تجهيزات في ظروف غامضة، وإجبار المرضى على اقتناء مستلزمات جراحية من صيدليات معينة، ناهيك عن الرشوة والمحسوبية في توزيع الأدوية، حيث تُخفى بعضها إلى حين انتهاء صلاحيتها، علاوة على قمع وإهانة المرضى وذويهم من لدن حراس الأمن الخاص وممرضات، مما يُعد خللا كبيرا في تدبير المنظومة وانتهاكا يهدّد حق المواطنين في التطبيب والكرامة ويفاقم عدم الثقة.
وقالت اللجنة إن عددا من المجالس المنتخبة وأحزاب الأغلبية بها تورطت في ممارسات أخلّت بالسير العادي لبعض المستشفيات، بسبب عمليات توظيف مشبوهة، وغياب الشفافية في صرف الميزانيات الجماعية المرصودة لقطاع الصحة.
وفي السياق، انتقد التقرير ضعف الميزانيات المخصصة لقطاع الصحة وغياب الشفافية في صرفها، حيث لا تتجاوز ميزانية الصحة في قانون المالية لعام 2025 نسبة 5 % من الإنفاق العام، مما يبقي المنظومة في حالة تخلف مزمن، مقابل منح الأولوية لقطاعات ترفيهية وثانوية على حساب الصحة العمومية. ويصل العجز في التمويل إلى مستويات تعيق توفير الأدوية والتجهيزات الأساسية، فيما تطغى الحسابات السياسية على الاحتياجات الفعلية، مما يؤدي إلى هدر الموارد في مشاريع وهمية أو صفقات مشبوهة.
وأشار التقرير إلى قلة الكوادر الطبية وبيئة العمل المرهقة وغير المشجعة، حيث لا يتجاوز المعدل الوطني للأطباء 4 أطباء لكل 10 آلاف نسمة، ما يشكل عجزا يفوق 30 ألف طبيب. وفضح التقرير غياب حوكمة ديمقراطية وشفافة لضمان ديمومة الكادر الطبي، إضافة إلى نقص الرعاية النفسية والعقلية مما يساهم في ارتفاع حالات الانتحار والعنف الأسري، وانتهاك الحق في الصحة النفسية، مقابل ارتفاع أسعار الأدوية وعدم توفّرها بسبب غياب المراقبة والتأثير السلبي للوبي صناعة الأدوية.
وأكد التقرير أن أزمة المنظومة الصحية في المغرب ليست أزمة عابرة، بل أزمة بنيوية، تهدّد السلم الاجتماعي بشكل جدي وغير مسبوق، ودعا إلى إقالة الوزير الحالي وتعيين شخصية ذات كفاءة وخبرة في سياسة الصحة العمومية، وتشكيل لجنة وطنية للوقوف على الاختلالات ووضع استراتيجية للعمل على إصلاح قطاع الصحة العمومية على المديين المتوسط والبعيد.



