
يبدو أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي صعد إلى الحكم بشعارات التحديث والإصلاح، يجد نفسه اليوم في زاوية ضيقة داخليا وخارجيا، فبين تراجع النفوذ في إفريقيا، وفشل سياسي داخلي يتجلى في سقوط الحكومات، وأزمة اقتصادية خانقة عمقتها خياراته الجيوسياسية، تطرح الأسئلة بحدة هل اختار ماكرون مغامراته الخارجية على حساب الاستقرار الداخلي؟ وهل يكتب بذلك فصلا في نهاية مشروعه السياسي؟
فشل سياسي داخلي وتراجع خارجي
منذ تولي ماكرون الحكم، بدأ منحنى النفوذ الفرنسي في إفريقيا بالتراجع. دول الساحل التي لطالما كانت ضمن دائرة التأثير الفرنسي انسحبت تدريجيا من الفرانكفونية السياسية والأمنية. انقلابات متتالية، أزمة سياسية ودبلوماسية مع الجزائر وانسحاب عسكري من مالي وبوركينا فاسو والنيجر والسنغال وساحل العاج، وخطاب شعبي أفريقي متصاعد ضد “الوجود الفرنسي”، كلها مؤشرات على فقدان باريس لمكانتها التقليدية في القارة السمراء.
داخليا شهدت فرنسا خلال أقل من سنة ثلاث حكومات متعاقبة، وآخرها حكومة بايرو ، التي تواجه خطر السقوط خلال أيام، مع تصويت مرتقب في البرلمان قد ينسف آخر ما تبقى من تماسك سياسي داخل الإليزيه هذا التراجع في الاستقرار السياسي يعكس اهتزازا في مركز القرار الفرنسي وغيابا لرؤية استراتيجية واضحة.
إجراءات التقشف وتداعياتها الداخلية
في مواجهة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، أعلن رئيس الوزاراء الفرنسي بايرو عن حزمة إجراءات تقشفية بقيمة 43.8 مليار دولار، وهي أقل بكثير من المساعدات التي قدمتها فرنسا لأوكرانيا والتي بلغت حوالي 60 مليار دولار. تتضمن هذه الإجراءات تعديل قانون التقاعد وإلغاء بعض الإجازات والعطل وغيرها من الاجراءات وهو ما أثار رفضا شعبيا واسعا في الشارع الفرنسي.
هذا الرفض يتجلى بوضوح في الاحتجاجات التي تُنظم يوم 10 سبتمبر، حيث يستعد الفرنسيون لخوض انتفاضة شعبية قوية ضد السياسات التي يرونها تضر بمكتسباتهم الاجتماعية، ويبدو أن ماكرون قد اختار مسار الطموحات الكبرى بأن يصبح “ملكا لأوروبا” أو “بونابرت الجديد” على حساب الاستقرار الداخلي والحياة اليومية للمواطنين.
في الوقت نفسه، توجه فرنسا سياسيا نحو محاولة إضعاف روسيا عبر دعم أوكرانيا عسكريا، لكن التطورات الأخيرة تشير إلى تنسيق روسي أمريكي للبحث عن حل للحرب، مما يخدم مصالح روسيا وأمريكا وأوكرانيا أيضا. أما فرنسا فهي تبدو الخاسر الأكبر في هذا المشهد، حيث من الممكن أن تتحول طموحات ماكرون في قيادة أوروبا إلى مجرد صفحات من التاريخ المنسي.
ماكرون اليوم يقف على مفترق طرق خطير، حيث تحول طموحه المفرط إلى عبء ثقيل على كاهل فرنسا وشعبها باختياره أن يكون أحد اللاعبين الكبار في السياسة الدولية على حساب توازن الداخل، فهو لا يهدد فقط استقرار بلاده، بل يكتب بفعلته هذه فصلا قاتما في تاريخ حياته السياسية. نهاية ماكرون ليست مجرد احتمال، بل قد تكون حتمية إذا استمر في تجاهل نبض الشارع وحقائق الواقع، الطموح بلا حكمة يقود إلى السقوط، وماكرون يقترب بسرعة من تلك اللحظة الحاسمة التي سيُكتب فيها اسمه كأحد القادة الذين أسقطوا أنفسهم.
محمد لمين بليلي




