الدوليالشرق الأوسط

من “طوفان الأقصى” إلى “طوفان الوعي العالمي”

قراءة في تصريحات ترامب بشأن تراجع تأثير اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة

في تصريحات حديثة لموقع دايلي كولر الأمريكي، أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جدلا واسعا بتصريحات لافتة حول تراجع النفوذ الإسرائيلي في الولايات المتحدة، لا سيما على مستوى جماعات الضغط (اللوبي) داخل الكونغرس ، تصريحات ترامب جاءت في لحظة سياسية شديدة الحساسية، وسط تصاعد الأصوات العالمية المنتقدة للسياسات الإسرائيلية، بعد إبادة دامية مستمرة منذ أشهر على قطاع غزة.

يقول ترامب “إسرائيل قد تربح الحرب، لكنها لا تكسب نفوذا في عالم العلاقات العامة، وهذا يضر بها” كما أشار إلى أن “إسرائيل كانت تملك أقوى جماعات ضغط قبل 15 عاما، والآن تضررت وبخاصة في الكونغرس”، مضيفا أن “إسرائيل كانت أقوى جماعة ضغط رأيتها، وكانت لديها سيطرة تامة على الكونغرس، والآن فقدت ذلك”.

في سياق العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، تعد تصريحات ترامب غير مسبوقة من رئيس أمريكي خصوصا وأنه لطالما وُصف بأنه من أبرز الداعمين للكيان وهو من نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، واعترف بسيادة الكيان على الجولان، ووقع “اتفاقات أبراهام” لتطبيع العلاقات بين تل أبيب وعدد من الدول العربية.

غير أن الاعتراف بتراجع نفوذ اللوبي الإسرائيلي وخاصة داخل الكونغرس يحمل دلالات عميقة تتجاوز الخطاب الإعلامي، وتعكس تغيرا فعليا في المزاج السياسي الأمريكي، سواء على مستوى القواعد الشعبية أو النخب السياسية والأكاديمية.

من طوفان الأقصى إلى طوفان الوعي العالمي

منذ انطلاق عملية “طوفان الأقصى”، وما تبعها من رد عسكري إسرائيلي وابادة ضد قطاع غزة، أصبح من الصعب للكيان تبرير السياسات االتي ينتهجها تحت مظلة “حق الدفاع عن النفس”، كما كان يسوق سابقا في الخطاب الغربي فالمجازر الموثقة، واستهداف المدنيين، والحصار الخانق الذي أدى إلى مجاعة في القطاع، دفعت الرأي العام العالمي لإعادة النظر في الرواية الإسرائيلية.

ما شهده العالم من مظاهرات ضخمة في العواصم الغربية، واعتصامات داخل كبرى الجامعات في بريطانيا والولايات المتحدة، ومواقف متقدمة من مؤسسات إعلامية وأكاديمية، كلها مؤشرات على تراجع الهيمنة الإعلامية الإسرائيلية، وعلى انهيار “سردية التفوق الأخلاقي” التي لطالما تبناها الخطاب الصهيوني في الغرب.

المكاسب السياسية للقضية الفلسطينية

بعيدا عن الميدان العسكري، فإن عملية “طوفان الأقصى” أحرزت مكاسب سياسية وإنسانية كبيرة فقد اعترفت دول جديدة بالدولة الفلسطينية، وأعلنت أخرى نيتها القيام بذلك في المستقبل القريب، في ظل تحول واضح في الرؤية الدولية تجاه الصراع.

وقد زادت تصريحات رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو حول ما يسمى بمشروع “إقامة إسرائيل الكبرى” من حرج الموقف الإسرائيلي دوليا، إذ فُسر هذا التصريح على أنه تكريس لمشروع استعماري توسعي يتنافى مع القانون الدولي، مما دفع عدة حكومات ومنظمات حقوقية إلى إصدار إدانات صريحة.

تآكل نفوذ اللوبي الإسرائيلي

في هذا السياق، تكتسب تصريحات ترامب أهمية خاصة، إذ تعكس ما يشبه “الانقلاب الهادئ” داخل مراكز القرار الأمريكية فعلى مدى عقود، شكل اللوبي الإسرائيلي أحد أعمدة السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط وقد نجح في فرض أجندته على الكونغرس، وتأمين دعم مالي وعسكري غير مشروط للكيان.

لكن اليوم يبدو أن هذا النفوذ لم يعد كما كان فارتفاع أصوات المعارضة داخل أمريكا وازدياد التغطيات الإعلامية الناقدة، وتراجع التأييد الشعبي خاصة في أوساط الشباب والأقليات كلها مؤشرات على بداية أفول مرحلة كان فيها اللوبي الإسرائيلي يتمتع بسطوة شبه مطلقة على السياسة الأمريكية.

لا يمكن الجزم بعد بأننا أمام تحول استراتيجي دائم في الموقف الأمريكي من إسرائيل، لكن من المؤكد أن الشرخ بات واضحا، وأن الصوت الفلسطيني بفضل صموده ومقاومته وحنكته السياسية أصبح مسموعا أكثر من أي وقت مضى.

تصريحات ترامب، التي جاءت من شخصية لا يمكن وصفها بالعداء للكيان، تؤكد أن النفوذ السياسي لا يُقاس فقط بالقوة العسكرية أو بشبكات الضغط، بل كذلك بمدى القدرة على الحفاظ على الشرعية الأخلاقية في أعين العالم. وهي شرعية بات الاحتلال الإسرائيل يخسرها يوما بعد يوم.

محمد لمين بليلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button