فنانون تشكيلون جزائريون عايشوا ثورة التحرير

من انطلاقة ثورة اول نوفمبر نقدم إضاءة السيرة الثورية والفنية في الأعمال الفنية التشكيلية الجزائريّة، من خلال الوقوف عند إسهامات الفن التشكيلي الجزائري في الثورة التحريرية. من الفنانين الذي برزوا في هذه المرحلة، فارس بوخاتم الذي تعلّم فن الرسم وهو جندي في صفوف جيش التحرير، الأمر الذي دفعه لتكريس فنه للأحداث التي عاشها خلال مشاركته بالثورة. لقد برز نضال الفنان التشكيلي الجزائري في موضوعات متعددة ذات اتجاهات فنية مختلفة، كفن المنمنمات عند الفنان محمّد راسم الذي ولد عام 1896 بالجزائر في حي القصبة . من أسرة عريقة في ضروب الفن التشكيلي، وقد اهتم منذ نعومة أظافره بفن المنمنمات متمكنا منه بسرعة مذهلة وذلك بمساعدة أعضاء أسرته فيما بعد، كرس محمد راسم جل حياته لهذا الفن الذي ساهم بقدر كبير في ذيوع صيته. بعد تحصله عن جدارة على الجائزة الفنية الكبرى للجزائر عام 1933 إضافة إلى وسام المستشرقين، عرضت أعماله في كافة أنحاء المعمورة حيث تم اقتناء العديد منها من طرف عدة متاحف ذات شهرة عالمية مؤكدة. اقتنع محمد راسم أن المقاومة يمكن كذلك خوضها على الجبهة الفنية. لهذا السبب حاول جاهدا أن يحمل إنجازاته علامات الإبداع، العظمة والفخر كما كانت عليه حال الجزائر قبل الحقبة الاستعمارية وكما كان يريدها بعد استعادة استقلالها. عمل لفترة طويلة كمدرس في معهد الفنون الجميلة، وقد جمعت منمنماته في عدة مؤلفات. بعيدا عن الطرق التقليدية والقديمة لمنمنمات وزخارف المدارس الفارسية والتركية ، وضع محمد راسم أسس مدرسة المنمنمات الجزائرية.. توفي محمد راسم وزوجته بمنزلهما بالأبيار، عام 1975. وأيضا وفن الخط والزّخرفة وتعبيره عن الروح العربية الرافضة للاستعمار عند الفنان عمر راسم، والتعبيرية التجريدية عند الفنان امحمد اسياخم ولد محمد إسياخم ، في السابع عشر من يونيو سنة 1928، بمنطقة “جنَّاد” بتيزي وزو بمنطقة القبائل أین عاش مع أمه ثم رحل إلى أبیه بغلیزان و هو لم یتجاوز السن الرابعة من عمر، عايش الحروب والمجاعات ، ما ولّد عنده قلقا مزمنا وانفعالات حادة كما ازاد شعوره بالعزلة بعد مأساة فقدانه ليده اليسرى إثر انفجار لقنبلة بين يديه عثر عليها بثكنة عسكرية مهجورة تسببت في وفاة أختيه وطفل من عائلته حينها بقي أمحمد لمدة عامين بالمستشفى، إذ أجريت له عمليتان جراحيتان , بعد الحادث اتجه للرسم ليباشر تكوينه في مجال الفن التشكيلي عام 1948 ، وتتلمذ على يد محمد راسم، حصل أمحمد إسیاخم على منحة دراسیة لمدة سنة وذلك في معهد إتیان التقني بباريس،أین التقى الفنان اسیاخم بشريكة حیاته الأولى” جورجیت كريستانبلكا”. كما أمحمد إسیاخم تعرّف بكاتب ياسين الذي كان يكتبُ روايته « نجمة » وعاش معه، ومع الكاتب مالك حداد، لسنوات في جنوب فرنسا. قبل أن يُسافر إلى ألمانيا. وقد قدر للفنان و كاتب ياسين أن يتعاونا في أعمال عديدة. فرسم اسياخم كثيراً من الرسوم التي زينت النسخ المطبوعة لأعمال صديقه، ورسم أيضاً لوحات مستوحاة من أعمال كاتب ياسين. ويكفي الإشارة هنا إلى لوحة (المرأة المتوحشة) ولوحة (إمرأة على قصيدة شعرية)، تلك التي حين أكملها اسياخم طلب من صديقه أن يقوم بتوقيع اللوحة، فتحايل عليه ياسين ولم يفعل ذلك. وتمكّن اسياخم من عرض لوحاته في باريس عام 1951م بقاعة “أندريه موريس”، لينضمّ بعدها إلى طلبة المدرسة العليا للفنون الجميلة بباريس في عام 1963م، بعد الاستقلال عاد إسياخم إلى الجزائر حيث ترأس ورشة الفنون التشكيلية بالمدرسة الوطنية للفنون الجميلة بوهران 1966-1964 ثم أصبح أستاذا بالمدرسة الوطنية للفنون الجميلة بالجزائر بين اعوام 1971-1968. بالاضافة اتجاهات فنية متباينة أخرى تجلّت في أعمال الفنانين فارس بوخاتم لمولود عام 1941، في قرية (المرست). إذ عاش حياة حافلة بالنضال، سواء على جبهة الفن التشكيلي، أو على جبهة القتال ضد المستعمر الفرنسي، حيث التحق بصفوف جيش التحرير الوطني الجزائري العام 1957. وكرس فنه لمظاهر الحياة اليوميّة للمجاهدين، وتجسد ذلك في سلسلة من اللوحات حملت عنوان (المعارك). أصيب بوخاتم أثناء قطع خط موريس الذي أوحى له بلوحة (مذابح خط موريس) الموجودة حالياً في المتحف المركزي للجيش الجزائري، ونقل على إثر إصابته إلى مستشفى الصادقيّة في تونس، وهناك التقى بالدكتور فرانز فانون الذي شجعه على مواصلة الرسم، تخفيفاً لرضوض وآلام الحرب. وبعد خروج بوخاتم من المستشفى، انضم إلى الفرع الفني الذي أُنشئ داخل (مصلحة الدعاية لجيش التحرير الوطني)، حيث كُلّف بتزيين المنشورات الخاصة بالجيش، إضافة إلى قيامه بتنفيذ رسوم توضيحيّة (موتيفات) للقصائد التي يكتبها المقاتلون. وفي العام 1961 استقر الفنان فارس بوخاتم في قرية (الكاف) مع الرسامين: مصباحي، لتراني، شنوقة، بن حميدة، قماري ، و أيضا اعمال الفنان إبراهيم مردوخ الذي ربط في لوحاته بين الثورة الجزائريّة وثورة فلسطين. وإسماعيل صمصوم، ومحمّد عويس، ومحمد خدة , وعبد العزيز رمضان، وصالح حيون، وعبد الحميد لعروسي، ومسلي محمود شكري. هذا، يمكن التوقف عند لوحة نساء الجزائر للفنان بابلو بيكاسو، وكذا على أعمال الفنان المستشرق نصرالدين دينيه المتصلة بالثورة.
محمد عبيدو




