
تشهد العلاقات الجزائرية-الفرنسية تحولا جذريا يعكس وعيا جديدا في الجزائر، وعيا ينبثق من جيل يدرك تماما طبيعة العلاقة التاريخية مع فرنسا الاستعمارية وما خلفته من آثار عميقة على البلاد، هذا الجيل الجديد، الذي لا يحمل مشاعر الحنين ولا الرغبة في التبعية، يمثل تحديا غير مسبوق لفرنسا، التي تجد نفسها أمام واقع جديد لا تستطيع تغييره.
لطالما اعتمدت فرنسا على تأثيرها الثقافي والسياسي في الجزائر، لكنها اليوم تواجه جيلا يدرك أن فرنسا ليست مجرد شريك اقتصادي أو ثقافي، بل هي رمز للهيمنة التي يجب التخلص منها، هذا الوعي لم يتشكل عبثا بل هو نتاج تراكمات تاريخية وسياسات فرنسية مستفزة استمرت لعقود من خلال تجاهل مطالب الجزائر بالاعتراف بجرائمها الاستعمارية، وتدخلها المستمر في الشؤون الداخلية للبلاد، رسّخت فرنسا صورتها كقوة استعمارية تصر على الحفاظ على نفوذها بأي ثمن.
فرنسا اليوم تقف عاجزة أمام هذا الجيل الجديد، الذي أدار ظهره للغة الفرنسية كمصدر قوة ثقافية، ورفض كل محاولات فرنسا للتأثير على الوعي الجمعي، هذا التحول أصاب النخبة الفرنسية بصدمة كبيرة، خاصة بعد أن فشلت في فهم مصادر هذا الوعي الجديد، محاولات فرنسا للعودة إلى الساحة عبر الإعلام، الدبلوماسية، وحتى الحرب الناعمة، باءت بالفشل أمام إرادة شعبية عارمة ترى أن التحرر الحقيقي يبدأ بالتخلص من كل أشكال التبعية لها.
ما يحدث في الجزائر هو انعكاس لما تشهده فرنسا في القارة الإفريقية ككل، فقد أدت سياساتها الاستعمارية الجديدة إلى نفور شعوب دول الساحل من النفوذ الفرنسي، دول مثل مالي، النيجر، وبوركينا فاسو وتشاد وساحل العاج والسنغال اختارت مواجهة الهيمنة الفرنسية وطرد قواتها، وهو ما يشير إلى مرحلة جديدة في القارة تُعلن فيها الشعوب رفضها للسيطرة الأجنبية.
الفشل الفرنسي في استيعاب التغيرات الجيوسياسية والوعي الشعبي جعلها تدفع ثمنا باهظا، مصالحها الاقتصادية، من شركات النفط والغاز إلى الاستثمارات الأخرى، بدأت تتبخر، كما أن دورها كقوة مؤثرة في إفريقيا تراجع بشكل ملحوظ.
إن العلاقات الجزائرية-الفرنسية لن تعود كما كانت في الماضي، عقارب الساعة لا ترجع إلى الوراء، والجزائر اليوم ترسم ملامح مستقبل جديد بعيدا عن النفوذ الفرنسي، هذا المستقبل يتطلب استثمارا في بناء شراكات متكافئة مع دول أخرى تُحترم فيها السيادة الوطنية.
إن وداع فرنسا ليس مجرد شعار عاطفي، بل هو قرار سياسي وشعبي يعكس إرادة جيل يدرك أهمية التحرر الحقيقي، فرنسا التي حاولت الهيمنة على الجزائر وأفريقيا تواجه اليوم نهايتها كقوة مهيمنة، في وقت تؤكد فيه الجزائر وشعوب المنطقة أن مرحلة جديدة قد بدأت، مرحلة تبنى على الاستقلال الحقيقي والسيادة الكاملة.
محمد لمين بليلي



