الثقافةالجزائر

ملحمة “الأمير عبد القادر الجزائري” في إنقاذ المسيحيين بدمشق

تمثّل أحداث التاسِعِ من جويلية عام 1860 في دمشق محطّة مفصلية في سيرة “الأمير عبد القادر الجزائري”، خلال فترة نفيه إلى بلاد الشام، ففي ظلّ الانهيار الأمنيّ الذي شهدته المدينة في هذا التاريخ، انتقل الأمير من “لاجئ سياسيّ” إلى “الفاعل الإنساني”، مساهما في منع تحوّل الاضطرابات الطائفيّة إلى إبادة جماعية شاملة.

بدأت الأزمة في حيّ “باب توما” الدّمشقي، ذي الغالبيّة المسيحية، حيث اندلعت أعمال عنف ونهب وحرق للكنائس والمنازل نتيجة فتنة طائفية غذّتها عوامل معقّدة آنذاك. وفي ظلّ السكوت الرّهيب لوقف المحرقة، خرج مسلم جزائري منفيّ من وطنه إلى هذه المدينة من طرف الاحتلال الفرنسي، اسمه “الأمير عبد القادر الجزائري”، مستندا إلى مكانته الرّمزية وشبكة أتباعه من الجزائريين المقيمين في دمشق، للتدخل المباشر لرسم حدود فاصلة بين الفوضى والإنسانية.

اتخذ الأمير الجزائري خطوات لوجستية وأمنية محددة، حيث بادر بفتح قصره في حي “العمارة” الدمشقي والمباني التابعة له لاستقبال ما يقارب 15 ألفا من المسيحيين الفارين من العنف، الذين كان من ضمنهم قناصل دول أوروبية ورجال دين.

وثقت الوقائع التاريخية صداما مباشرا بين “الأمير عبد القادر الجزائري” والحشود الهائجة التي حاصرت مقرّ إقامته، مطالبة بتسليم اللاجئين المسيحين لديه. وحسب الوثائق، واجه الأمير هذه الجموع بصرامة لافتة، ممتطيا جواده ومعلنا التزامه الأخلاقيّ والدينيّ بحماية ضيوفه حتّى الموت، وهو الموقف الجسور الذي ساهم فعليا في كسر موجة الاندفاع العنيف، وأجبر المهاجمين على التراجع أمام سلطة المنطق الأخلاقي والشهامة التي فرضها ميدانيا، حيث قال جملته الشهيرة: “إن ديني لا يسمح لي بأن أسكت عن ظلم.. هؤلاء ضيوفي، ولن تلمسوهم إلا فوق جثثنا“، وأنقذ آلاف الأرواح التي كانت محتمية لديه.

حظي هذا الموقف الشجاع والفريد بتقدير دوليّ واسع النطاق ترجم عبر اعتراف سياسي، تمثل في تلقّي الأمير هدايا تقديرية عرفانا لهذا الرجل المسلم، فقد منحه السلطان العثماني عبد العزيز الأول وسام “المجيدية” من الدرجة الأولى، كما أهداه الرئيس الأمريكي “أبراهام لينكولن” مسدّسيه، إضافة إلى أوسمة رفيعة من بريطانيا وفرنسا وروسيا والفاتيكان. كما امتدّ هذا التقدير لتخليد اسمه بإطلاقه على مدينة في ولاية آيوا الأمريكية، وصولا إلى تبنّي المؤسسات الدولية، ومنها الأمم المتحدة، لاستراتيجية “الأمير عبد القادر الجزائري” كحجر زاوية في تطوّر القانون الدولي الإنساني، بالنظر لتعامله الأخلاقيّ مع المسيحيين في دمشق أو خلال سنوات مقاومته في الجزائر ضد الاحتلال الفرنسي.

أصبحت واقعة 1860 بدمشق نموذجا تاريخيا لـ “دبلوماسية الأخلاق”، حيث استطاع “الأمير عبد القادر الجزائري” أن يرسّخ مبدأ يقضي بأنّ حقوق الإنسان والتعايش السلميّ تسمو فوق الاعتبارات السياسية والطائفية في زمن النزاعات والصراعات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى