
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، لم تعد مفاهيم مثل السيادة والعدالة والمساواة بين الدول ترفا خطابيا، بل باتت ضرورة ملحة لإعادة تشكيل توازنات القوى العالمية ومن هذا المنطلق، تأتي مبادرة الحوكمة العالمية التي طرحها الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال قمة منظمة شانغهاي للتعاون لعام 2025 في تيانجين، لتكون رابع لبنة في مشروع رؤيوي تتبناه الصين بعد مبادرات التنمية، والأمن، والحضارة العالمية.
تعريف المبادرة:
في جوهرها تسعى مبادرة الحوكمة العالمية إلى إعادة صياغة قواعد العمل الدولي، بحيث تقوم على أساس الشراكة المتكافئة والاحترام المتبادل، لا على منطق الهيمنة والقطبية الواحدة، فبدلا من فرض رؤى ضيقة تخدم مصالح قوى محددة، تدعو الصين من خلال هذه المبادرة إلى بناء نظام عالمي تتوزع فيه أدوار التأثير والمسؤولية بعدالة، بما يعكس التنوع الثقافي والسياسي والاقتصادي الذي يزخر به العالم.
الركائز الخمس للمبادرة:
استندت المبادرة إلى خمس دعائم محورية:
الالتزام بالمساواة في السيادة: أي الاعتراف بحق كل دولة، مهما كان حجمها أو ثروتها، في اتخاذ قراراتها دون إملاءات خارجية.
احترام القانون الدولي: كمرجعية ضابطة للعلاقات الدولية بعيدا عن الانتقائية أو الاستخدام السياسي للقوانين.
ممارسة التعددية الحقيقية: من خلال تعزيز التعاون الدولي عبر مؤسسات متعددة الأطراف.
نهج يركز على الشعوب: يجعل من رفاه الإنسان محورا للسياسات العالمية، وليس مجرد أداة لخدمة مصالح اقتصادية ضيقة.
اتخاذ إجراءات فعلية: تؤكد أهمية الانتقال من الأقوال إلى الأفعال في مواجهة التحديات العالمية مثل التغير المناخي، والفقر، وعدم المساواة.
الهدف الأسمى.. نظام عالمي أكثر عدالة
في خطاب الرئيس الصيني شي، برزت بوضوح رسالة مفادها أن العالم لم يعد يحتمل استمرارية الأنماط القديمة من الحوكمة التي تُقصي أطرافا كثيرة من دوائر التأثير فالصين ترى أن بناء نظام عالمي جديد يتطلب تمكين الدول النامية من المشاركة الفعلية في صنع القرار، وليس مجرد الوجود الرمزي في المحافل الدولية وهي دعوة إلى “إصلاح النظام” لا “تقويضه”، عبر تفعيل دور الأمم المتحدة، وتمتين أطر التعاون متعددة الأطراف.
ما المنتظر من المبادرة؟
إذا ما كُتب للمبادرة أن تجد صدى واسعا، فإنها قد تُحدث تحولات ملموسة في عدة مجالات:
– إعادة تشكيل هيكلية المؤسسات الدولية لتكون أكثر تمثيلا.
– تعزيز التعاون بين الجنوب العالمي في قضايا مثل التنمية والابتكار والحوكمة الرقمية.
– كبح جماح السياسات الأحادية التي تقوض السلم والاستقرار الدوليين.
العقبات في الطريق:
رغم الطموح العالي، فإن تطبيق مبادرة الحوكمة العالمية لن يكون سهلا، فثمة تحديات كبرى تقف في وجهها:
– المقاومة الغربية: حيث ترى بعض الدول الكبرى في المبادرة تهديدا لنفوذها التاريخي داخل النظام الدولي.
– التباين في المصالح بين الدول النامية نفسها: مما قد يعيق تشكيل جبهة موحدة تطالب بإصلاح جذري.
– الريبة من النوايا الصينية: خاصة من قبل خصومها الاستراتيجيين، الذين يشككون في أن المبادرة مجرد غطاء لتعزيز النفوذ الجيوسياسي لبكين.
فرصة لإعادة بناء الثقة الدولية
مبادرة الحوكمة العالمية تمثل في جوهرها، محاولة لكسر الجمود الذي يشل النظام الدولي منذ عقود ودعوة إلى حوار عالمي شامل يعيد الاعتبار لقيم العدالة والتوازن وبين الطموح والتحديات، تظل المبادرة فرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة بين الأمم، إذا ما قوبلت بالإرادة السياسية الكافية، واستعداد صادق من جميع الأطراف لتجاوز منطق الهيمنة، نحو شراكة عادلة تصنع مستقبلا مشتركا للجميع.
محمد لمين بليلي




