
في لحظة فارقة من تاريخها، تقف مالي اليوم عند مفترق طرق حاد، حيث تُدار البلاد لا بعقل الدولة، ولا بحكمة القيادة، بل بمنطق العصابة، من طرف جماعة انقلابية اختطفت المؤسسات، وأجهضت الإرادة الشعبية، وتحوّلت منقذة مزعومة إلى مصدر رئيسي للأزمة.
لا يمكن الحديث عن حكمة، أو سيادة، أو حتى مصلحة وطنية، حين تُحكم الدولة بمنطق عدواني يرتكز على التخوين، وافتعال الأعداء، وتصدير الأزمات نحو الخارج، خصوصًا عبر اتهام دول الجوار بدعم الإرهاب، وكأن الإرهاب لا ينمو أساسًا في بيئة الانقلابات والفوضى المؤسسية والفراغ السياسي.
لقد حولت القيادة الانقلابية مالي إلى ساحة صراع، وأغلقت أبوابها على الداخل، ورفعت المتاريس أمام الجوار والعالم، في لحظة دولية دقيقة كان الأجدر فيها البحث عن التحالفات لا الخصومات، وعن التنمية لا العسكرة.
اقتصاد مختنق، كفاءات مهاجرة، ومؤسسات منهارة:
المشهد الداخلي لا يحتاج إلى كثير من التحليل: ارتفاع جنوني في الأسعار، بنية تحتية منهارة، نظام صحي عاجز، وتعليم ينزف. الشباب بلا أفق، والمستقبل محاصر. المؤسسات التي كانت – ولو رمزيًا – تمثل وجه الدولة، باتت مجرد هياكل جوفاء. بينما تعيش القيادة في أبراجها المعزولة، تلوّح بخطاب سيادي لا يسنده واقع، وتوزّع المناصب على أساس الولاء لا الكفاءة.
كل هذا يحدث في مالي، البلد الذي أنجب ذات يوم إمبراطورية مانسا موسى، وكان مركز إشعاع حضاري وعلمي واقتصادي في غرب إفريقيا. لكن بين التاريخ والمآسي الراهنة، مسافة من الفوضى صنعتها عصابة لا تؤمن لا بالدولة ولا بالشعب.
الدبلوماسية ليست ضعفًا، والقوة الناعمة سلاح الأقوياء:
يخطئ من يظن أن ضبط النفس تراجع، أو أن لغة الحوار وتهدئة التوتر ضعف. إن ما يسمى بـ #القوة_الناعمة هو أحد أبرز أدوات النفوذ في القرن الحادي والعشرين. الدول التي تفهم السياسة تعرف أن بناء الشراكات، وفتح قنوات التواصل، وتحقيق التنمية، هو المسار الحقيقي نحو السيادة. أما الخطابات الرنانة والشعارات الثورية الفارغة، فلا تبني دولاً، ولا تحرر شعوبًا، بل تُفلس أوطانًا.
متى يتحرك الضمير الوطني المالي؟
الشعب المالي ليس مجرد رقم في المعادلات الجيوسياسية، بل هو القوة الحقيقية التي يمكن أن تُعيد صياغة المصير الوطني. لكن هذه القوة لن تنهض ما لم تُسائل نفسها: هل يستحق هذا الوطن أن يُترك بين يدي عصابة انقلابية؟ هل يُعقل أن نُسلم حاضرنا ومستقبل أطفالنا لمن فشلوا في إدارة الحاضر، ويقايضون الوطن لقاء تحالفات مشبوهة؟
إن السكوت لم يعد حيادًا. والصمت أمام ما يجري هو مشاركة في الجريمة. آن الأوان #لثورة_وعي، لا تبحث عن العنف، بل عن التأسيس. عن جبهة وطنية، يقودها العقلاء من أبناء مالي في الداخل والخارج، تعيد الاعتبار للشرعية، وتفتح الطريق لحكم راشد، ينهض بالدولة من جديد، على أسس العدالة، والكفاءة، والمصالحة.
لا حلم يُستعاد دون مواجهة، ولا سيادة تُبنى فوق الانقلاب:
التاريخ لا يرحم الأمم التي استسلمت للعبث. ومهما طال ليل الانقلاب، فشمس الشرعية قادمة. لأن ما يحكم مالي اليوم ليس مشروع دولة، بل مشروع احتلال داخلي يجب إسقاطه قبل أن يتحوّل إلى قدر.
مالي تستحق الأفضل.. والشعب المالي وحده، بكل نخبه، قادر على استرداد الحلم.
محمد لمين بليلي




