الثقافة

فرانز فانون في ذكرى ولادته طبيب نفسي ومثقف ناضل بثورة التحرير

فرانز فانون هو واحد من بين نخبة من المثقفين الفرنسيين، الذين أيّدوا الثورة الجزائرية وناصروا قضية شعبها ضد المستعمِر، على غرار فرانسيس جونسون وجان بول سارتر. إلا أن فانون تميّز عنهم عندما لفت الأنظار بسيرته النضالية من أجل الغير والكرامة الإنسانية، بنبذ العنصرية وأشكال الاستعباد، ومناهضة الآخرين، وذلك بتأصيل فلسفة التحرر والكفاح، التي ألهمت فئة المسحوقين والمغصوبين وحفّزتهم على الثوران.

ولم يكتف بالتنظير للفعل التحرري داخل مكتبه، بل سعى الى تحقيقه وتفعيله على أرض الواقع، عندما اندمج مع الشعب الجزائري، وانخرط مباشرة في صفوف الثورة ضد بلده السابق فرنسا. أما كتاباته، وتجربته ضد الكولونيالية وضد الاستغلال، كانت ولازالت محلّ اهتمام العديد من الباحثين الأكاديميين والمثقفين، على اختلاف اهتماماتهم، سواء كانت سياسية، أو اجتماعية، أو ثقافية فلسفية

عندما ولد فرانز فانون في العشرين من شهر جويلية 1925 في فور دو فرانس الواقعة في جزر المارتينيك التابعة لفرنسا، كان أبواه المنحدران من العبيد البائسين الذين استقدموا قبل ثلاثة قرون من أفريقيا، ينتميان إلى برجوازيةٍ جديدة (كان أبوه مفتشاً في الجمارك وزاولت أمّه تجارة صغيرة في المدينة). هكذا انضمّ فانون الشاب إلى المقاومة الفرنسية ضد النازيين سنة 1943 باعتباره مواطناً فرنسياً وهو الذي تعلَّم أن يردِّد في المدارس الفرنسية، (كما أقرانه من الجزائريين وباقي أبناء المستعمرات الفرنسية)، قصص أمجاد الآباء الغاليين كما كتب في كتابه “بشرة سوداء، أقنعة بيضاء”.

تعرَّف على المناضل والمفكّر اليساري إيمي سيزار وتتلمَذ على يديه لتُشكِّل أفكاره مفصلاً هاماً في حياته الفكرية، ثم انتقل إلى جامعة ليون في فرنسا لدراسة الطب بعد نيله لشهادة البكالوريا سنة 1946، لكن تكوينه الطبي لم يثنه عن دراسة الفلسفة والأدب، وهي الدراسات التي نجدها حاضرة في كتاباته، من خلال إحالاته على نصوصٍ لفلاسفة ومفكّرين كماركس، ليفي ستروس، هيغل، لينين وفرويد.

بعد تخصّصه في الطب النفسي عمل في فرنسا ثم أُرسِل سنة 1953 إلى مدينة البليدة في الجزائر، حيث عمل في مستشفى الأمراض العقلية لثلاث سنوات حتى استقالته عام، 1956 بعد مرور سنتين على قيام الثورة. رسالة استقالته التي وجّهها للوزير الفرنسي روبير لاكوست كانت تتويجاً لقناعة راسِخة لديه باستحالة مواصلة عمله في ظلّ ظروف صعبة، عاين فيها حالات الجنون والاضطرابات النفسية للجزائريين المرضى في مستشفى البليدة والتمييز في المعاملة بين ذوي الأصول الأوروبية والمسلمين.

هناك أشرف على قسم يضم 150 مريضاً أوروبياً و200 جزائري وحاول تطبيق أساليب العلاج الاجتماعي، كما تدرب عليها على المرضى جميعاً.

ولهذه الغاية أسَّس فانون في المستشفى جريدة ومقهى تقليدياً، وملعباً، وفريقاً لكرة القدم، ونسج علاقات جيّدة مع المرضى والممرضين وصولاً لاستعمال الموسيقى في العلاج بتشكيل مجموعة موسيقية شعبية بمساعدة أحد ممرضي المستشفى الذي أصبح واحداً من المغنيين المعروفين في الجزائر المستقلّة (عبد الرحمن عزيز صاحب أغنية “يا محمّد مبروك عليك الجزاير راها رجعت ليك” الشهيرة).

 لكنه في الأخير وصل إلى ترسيخ قناعاته عن دور “الطب الاستعماري” في قهر الجزائريين المُستعمَرين، والتي بدأ بتجسيدها بنشاطٍ ثوري على الأرض تمثّل في توفير المعلومات والدواء لجيش التحرير(المجاهدين) من خلال مساعديه بيير شولي وزوجته كارولين وإيواء بعض قادته.

في الجزائر اندمج فانون، وبدون صعوبات تذكر، في معركة التحرير، بحيث استفادت “جبهة التحرير الوطني” من معارفه الطبية:(المساعدة التقنية من أجل إقامة المصالح الطبية)؛ ومن مواهبه ككاتب، ومنظر: (صحافي بجريدة “المجاهد” ومكون للأطر)؛ مثلما استفادت كذلك من انتمائه إلى عالم الزنوج: (سفير لدى غانا، وممثل للجزائر في المؤتمرات الدولية). وبوسعنا أن نعثر في فكر فانون المتميز بالانفتاح على سيكولوجية الانسان المستعمر (بفتح الميم) وقرينه ضمن مؤلف “بشرة سوداء أقنعة بيضاء”، ثم على إثنولوجيا الانسان في صراعه مع أخيه الانسان في كتاب “من أجل الثورة الإفريقية”، مثلما قد نعثر على سوسيولوجيا أمة على مشارف الاستقلال في “السنة الخامسة للثورة الجزائرية”، إلى جانب نظرية حول العنف، والثورة، وهي نظرية تقصدت مناهضة الامبريالية.

المناضل الجزائري محمد الميلي يروي في كتابه فرانز فانون والثورة الجزائرية أنه حين التحق فانون بهيئة تحرير بجريدة “المقاومة الجزائرية” كان المحررون يشعرون بالضآلة عندما يتحدث عن المبادئ الكبرى للثورة، أو عندما يعرض قسطاً بسيطاً من ثقافته الرفيعة، وكان السؤال الذي شغل بال الثوريين الجزائريين كيف لشاب أن يكون أخصائياً في علم النفس، وحاصلاً على إجازة في الفلسفة، ولديه هذا الكم الهائل من المعرفة وهو لا يزال في مقتبل حياته؟

كانت أفكار “فانون” – التي نضجت في أفريقيا- من ثمار هذا المخاض، واضعا نصب عينيه قضية تحرير أفريقيا من الاستعمار عن طريق التخلّص النهائي من وجوده، عن طريق الكفاح المُسلَّح، الذي لا يسمح بالارتداد ولا يُبقي على علاقة مفتوحة مع المستعمر؛ مستمدا ذلك من تحليلاته النفسية، كطبيب نفسي، بأن مرضاه لن يُشفوا من أمراضهم النفسية، المتمركزة حول تشوه الهوية والإرادة، إلا إذا خرج الاحتلال من بلادهم إلى غير رجعة. ومن هنا عرفنا “فانون” وعرّف عن نفسه.

نظرية فرانز فانون ظهرت في كتابه “معذبو الأرض” الذي أصبح بمثابة أنجيل للشعوب المضطهدة، بما فيهم الزنوج في أمريكا، لكنه يعتمد على العنف، وأيده سارتر الذي كتب مقدمة هذا الكتاب الذي كتبه وهو علي فراش الموت يصارع مرض ابيضاض الدم وصدر عام 1961 والثورة الجزائرية، التي ارتبط اسمه بها إلي الأبد، علي وشك الانتصار، ويمثل معذبو الأرض في المجمل محاولة فانون الطموحة في تجاوز ثنائية الاستعمار/القومية في لحظة رؤيوية، كما يقول إدوارد سعيد، تتخطى النقيضين نحو التحرر في اتجاه يهدف لتجسير الهوة الفجوة بين المستعمِر الأبيض والمستعمَر العربي عبر العنف الذي يتغلب على “تشيئ” الرجل الأبيض كذات فاعلة و”تشيئ” غير الأبيض كمفعول به. فلا يمكن أن يحدث التغيير إلا حين يقرر المحلي أن على الاستعمار أن ينتهي، وعند هذه النقطة يدخل العنف كـ”قوة مطهرة”.

وقبل هذا الكتاب نشر كتابا آخر حول “سوسيولوجية الثورة الجزائرية في عامها الخامس” اعتمد هذا الكتاب على منهجية وصفية للمجتمع الجزائري ليتبصر المرء ماذا حل بالمجتمع الجزائري خلال خمس سنوات من الثورة بين عامي 1954 و1959، وما هي التغيرات التي طرأت على بنيته بفعل الثورة.

يقول فانون: “إن الثورة من حيث أنها ثورة في الأعماق، الثورة الحقيقية، تكون متقدمة جداً لأنها تبدل الإنسان وتجدد المجتمع، فهذا الأكسجين الذي يبدع إنسانية جديدة ويعدها، إنه هو كذلك الثورة الجزائرية”، ويقول: “إن الفكرة التي تتطلب من الناس أن يتبدلوا في ذات الوقت الذي يبدلون فيه العالم، لم تكن أبداً ظاهرة علي هذا النحو الواضح إلا في الجزائر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button