غارا جبيلات.. من أمنية حبيسة الأدراج إلى مخرج نحو السيادة الاقتصادية
تدخل الجزائر اليوم الأحد، رسميا، مرحلة متقدمة من استراتيجية الخروج من التبعية النفطية وتجسيد توجّه جديد يكرّس مبدأ السيادة الاقتصادية وتنويع موارد البلاد خارج المحروقات، من خلال تدشين المشروع الاستراتيجي غارا جبيلات والخط المنجمي الغربي لنقل خام الحديد لمنجم غارا جبيلات نحو وهران، مرورا ببشار.
وتأتي الخطوة تنفيذا لتعهّد الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، بالتجسيد الفعلي لمشروع غارا جبيلات الذي ظل لعقود طويلة مجرّد أمنية حبيسة الأدراج، حيث حرص على التنفيذ الفعلي للمشروع في آجال محدّدة بتعليمات صارمة وجّهت للطاقم الحكومي خلال اجتماعات سابقة لمجلس الوزراء، أمر خلالها بتحضير تدشين خط القطار الجديد، في عمق الصحراء، الرابط بين تندوف وبشار، بكامل مقاطعه، خلال شهر جانفي 2026، للشروع في استغلاله رسميا، وبالشروع في الاستخدام والاستغلال المحلي لخام الحديد المستخرج من منجم غارا جبيلات، بداية من الثلاثي الأول من 2026، وأن تصل الشحنة الأولى من خام الحديد، عبر خط السكك الحديدية، إلى مركب توسيالي للحديد بوهران، ابتداء من 2026، لتسجّل الجزائر الخطوة الأولى في تاريخها نحو تقليص فاتورة استيراد خام الحديد.
وشدّد الرئيس تبون في مناسبات سابقة على الأهمية الاستراتيجية للمشروع فيما يتعلق بعمليات الإنتاج والتصدير، وتقليل الاعتماد على استيراد المواد الأولية، ومساهمة المشروع في استحداث مناصب عمل جديدة وخلق حركية اقتصادية ومواكبة للمشروع.
وكان الرئيس قد وضع في زيارة عمل وتفقد إلى ولاية تندوف في 30 نوفمبر 2023 والتي استهلّها بموقع غارا جبيلات، حجر الأساس لمشروع إنجاز مصنع المعالجة الأولية لخام الحديد، المستخرج من منجم غارا جبيلات، الذي يعدّ أكبر استثمار منجمي في الجزائر، منذ الاستقلال، باحتياطي يصل إلى حوالي 3,5 مليار طن من الحديد، والذي من شأنه توفير حوالي 03 آلاف منصب شغل واستحداث مهن حرفية أخرى، ذات صلة، في مرحلته الأولى.
وتمّ، أمس، تدشين محطة السكة الحديدية لتندوف وإعطاء إشارة انطلاق أولى رحلات نقل المسافرين بواسطة القطار من تندوف باتجاه بشار بطول 950 كلم، وهي الشبكة نفسها التي ستستغل كخط منجمي لنقل خام الحديد لمنجم غارا جبيلات. وقد تم قبل قرابة أسبوع على مستوى منجم غارا جبيلات بولاية تندوف، شحن أولى دفعات خام حديد غارا جبيلات عبر الخط المنجمي الغربي، وذلك في إطار المراسم الاحتفالية الخاصة بوضع حيز الخدمة للخط المنجمي الغربي غارا جبيلات – تندوف – بشار.
وأعطيت إشارة انطلاق القطار الذي نقل أول شحنة من خام حديد غارا جبيلات، انطلاقا من منطقة غارا جبيلات في اتجاه بشار، ويتكوّن هذا القطار من 30 عربة محملة بـ 1000 طن من خام الحديد، تتبعه شحنات أخرى نحو الشمال في إطار الاستغلال التدريجي للمنجم.
مشروع تطوير واستغلال منجم غارا جبيلات وآفاقه الممتدة إلى غاية سنة 2040، مشروع هيكلي يساهم في تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالجنوب الغربي على وجه الخصوص، وعلى المستوى الوطني بصفة عامة.
ويعدّ مشروع غارا جبيلات أحد أكبر المشاريع المنجمية والهيكلية في تاريخ الجزائر، حيث يهدف إلى تطوير واستغلال واحد من أضخم مناجم خام الحديد في العالم، باحتياطات تقدر بأكثر من 3.5 مليار طن. ويقع على بعد 130 كيلومترا جنوب شرق ولاية تندوف.
من الاستيراد إلى التصدير.. رؤية متكاملة بدعم رئاسي
ويمثّل المشروع، حسب وزارة المحروقات والمناجم الجزائرية، إلى جانب منجم مشري عبد العزيز، نحو 90 بالمائة من الإمكانات الوطنية غير المستغلّة لخام الحديد، ويعدّ رافعة حقيقية لتحويل الجزائر من دولة مستوردة للصلب إلى دولة مصدّرة له، بفضل رؤية متكاملة، بدعم رئاسي قوي، وبنية تحتية استراتيجية حديثة.
ويتكوّن مكمن غارا جبيلات من خام حديد أوليثي ذي أصل رسوبي، موزّع على ثلاث كتل رئيسية (غارا جبيلات غرب، وسط، شرق)، مع جسم خام شبه أفقي وغطاء صخري رقيق، وسماكة تتراوح بين 15 و30 مترا، ما يجعله مناسبا للاستغلال المنجمي السطحي واسع النطاق وبتكاليف تنافسية.
وقد خضع المنجم للعديد من الدراسات والاستكشافات منذ اكتشافه سنة 1952، شملت نمذجة ثلاثية الأبعاد وحفر مئات الآبار، مما أتاح تكوين قاعدة بيانات دقيقة وشاملة حول خصائصه الجيولوجية والمنجمية.
العائق اللوجستي الأساسي الذي طالما شكل تحديا للمشروع تم تجاوزه، من خلال إنجاز الخط المنجمي الغربي للسكك الحديدية بطول يقارب 950 كيلومترا (بشار – تندوف – غارا جبيلات)، والذي يربط المنجم مباشرة بالشبكة الوطنية، والمجمّعات الصناعية والموانئ.
ويهدف مشروع غارا جبيلات إلى بلوغ إنتاج سنوي قدره 50 مليون طن من خام الحديد، يحوّل إلى نحو 25 مليون طن من المنتجات القابلة للتسويق، لتلبية الطلب الوطني وتصدير الفائض، ضمن مشروع متكامل يشمل الاستخراج والمعالجة والنقل والتثمين الصناعي.
ويندرج مشروع استغلال منجم غارا جبيلات للحديد ضمن مقاربة شاملة للتنمية المستدامة، من خلال دمج الأبعاد الاقتصادية والبيئية والطاقوية، لا سيما عبر الاعتماد على الطاقات المتجدّدة لتزويد المشروع بالطاقة، خاصة المحطات الشمسية الكهروضوئية بقدرة إجمالية تقدر بـ 200 ميغاواط بولاية تندوف، إلى جانب مشروع محطة شمسية بقدرة 80 ميغاواط ببلدية العبادلة بولاية بشار. كما يشمل المشروع إجراءات بيئية متقدمة، من بينها إعادة تدوير مياه الصرف الصناعي، وترشيد استعمال الموارد المائية، وتسيير النفايات الصناعية، بما يضمن تقليص البصمة البيئية للنشاط المنجمي، ويجسّد التزام الدولة بإرساء نموذج تنموي مستدام يدعم الانتقال الطاقوي ويعزّز التنمية المحلية والاقتصاد الوطني.
















