
أكد عميد جامع الجزائر، محمد المأمون القاسمي الحسني، اليوم الاثنين، أن الفكر السلمي للأمير عبد القادر، يمكن أن يترجم اليوم إلى حلول عملية للتحديات التي يواجهها العصر الحاضر، الذي يعاني تزايد الصراعات والنزاعات العرقية والطائفية في عالم مفكّك، يعيشه كثيرون من خلال التطرّف والحروب الدموية.
وفي محاضرة ألقاها عميد جامع الجزائر، بعنوان “إرث الأمير عبد القادر في بناء السلام في عالم ممزّق”، في مركز الدراسات الإسلامية التابع لجامعة أوكسفورد البريطانية، بحضور مدير المركز فرحان نظامي، قال عميد جامع الجزائر، إنّ مبادئ الأمير تبقى بمثابة منارة تهدي الباحثين عن السلام إلى سبل التفاهم والتعاون والوئام.
وقال عميد جامع الجزائر، محمد المأمون القاسمي الحسني، إنّ “التحيين لشخصية تاريخية مرجعية إلى الإيمان بأنّ الإيجابية التي صنعها بثمنها كما نعلم جميعا غيرُ منتهية الصلاحية، وأنّ الاستثمار فيها أمر متاحٌ، يمكن استدعاؤه، كلّما دعت الحاجة إليه، وها هو الآن في هذه المناسبة التاريخية التي تجمعنا في حضرة كوكبة من أهل العلم وحمَلة الفكر والقلم، يُساءل فيها الحاضر من خلال الماضي واستحضار المعنى العميق لنضال الأمير ومساره، ليس باعتباره مجرّد فصل من التاريخ الوطني خلال الحقبة الاستعمارية، بل كمنظومة قيم ومواقف يمكن أن تنير لنا سبل التعامل مع تحديات العصر في عالم مثقل بالأزمات”.
وأكد عميد جامع الجزائر، أنّ أبعاد إرث الأمير عبد القادر تتمثل في فكره السلمي، الذي يمكن أن يترجم اليوم إلى حلول عملية للتحديات الراهنة، موضحا بأن “السلام الذي سعى إليه الأمير عبد القادر، لم يكن مجرد غياب للحروب، بل كان سلاحا قائما على العدالة، وأنّ العلاقات بين الأفراد والجماعات أساسها الاحترام المتبادل، وليس الهيمنة والقوة”.
واعتبر عميد جامع الجزائر، أنّ إرث الأمير أصبح أكثر أهمية، فهو لم يكن مجرد قائد عسكري، ولكنّه كان مفكّرا ورجلا سياسيا عرف كيف يدير الصراعات، في وقت كانت تواجه الشعوب تهديدات وجودية، وأضاف بأنه يمكن اليوم للدول والشعوب أن تستلهم من فكره لبناء علاقات دولية قائمة على الاحترام المتبادل، بعيدا عن التطرّف والتعصّب المقيت.
مسيرة متفرّدة شهد لها العدو
وتحدث عميد جامع الجزائر في محاضرته بشكل مفصّل عن مسيرة الأمير عبد القادر، التي كانت متفرّدة ومتميّزة، شهد لها ضبّاط فرنسيون وساسة أوروبيون، وعبّروا عن احترامهم الكبير للأمير، الذي لم يكن في نظرهم مجرد قائد ميداني، ولكنه كان رجل مبادئ وقيم، من بينهم الجنرال الفرنسي لامورسيار، الذي قال عنه: “كان عبد القادر عدوا شريفا، يَندر أن تجد له نظيرا.. كان يحارب بشجاعة ويحترم خصومه، ويعامل الأسرى والجرحى بإنسانية تحرجنا أحيانا”.
وقال عميد جامع الجزائر، إنّ الأمير عبد القادر كان رجل دولة لا رجل سلطة، اختار نهجا استشرافيا، وكان في عمق مقاومته مشروع دولة تستند على تشريع وتنظيم متكامل، يعرف متى يقاوم ومتى يفاوض ومتى يعاهد ومتى يصنع السلام، نال تكريمات من قادة العالم، من السلطان العثماني إلى ملكة بريطانيا ونابوليون الثالث في فرنسا، ومُنح أوسمة عالية.
وأكد محمد المأمون القاسمي الحسني، أنّ إسهامات الأمير في بناء السلام داخل الجزائر وعلى المستوى الدولي، نموذجٌ يستحق التأمل والتطبيق في العصر الحالي، الذي تتسارع فيه خطابات الإقصاء وتُروّج دعوات الصدام، مضيفا بأنه “في قلب فلسفة الأمير عبد القادر، نجد مبدأ الوحدة في التنوّع، لأنه أدرك أن التعدد ليس أمرا سلبيا، بل ثراءً وغنًى”، واستدل بإنقاذ الأمير المسحيين في دمشق، وقال بعدها إنّ “من يظلم إنسانا باسم الدين فقد أساء إلى الدين وإلى الإنسان معا”.
وأكد عميد جامع الجزائر، أنّ ما يجعل فكر الأمير عبد القادر صالحا إلى عصرنا الراهن، هو قدرته على الجمع بين البُعد الروحي والبُعد العملي في مشروع السلام، الذي يُعدّ في فكره منظومةً تربوية بمؤسسات وبثقة متبادلة، وليس قيمة معيارية مطلقة، وأنّ السلام لا يتحقق من خلال القوة العسكرية وحدها.
من جهة أخرى، نوّه عميد جامع الجزائر بالدور المهمّ الذي يضطلع به مركز الدراسات الإسلامية التابع لجامعة أوكسفورد، والتي تُعدّ من أعرق الجامعات العالمية، من حيث سعيه النبيل إلى التعريف بالإسلام في أبعاده الحضارية والروحية الراقية، وإبرازه إسهامات الحضارة الإسلامية في الإرث العلمي والتاريخي والإنساني، لا سيما في بيئة فكرية تثمّن الحوار وتحتفي بالتعدد وتبحث عن المشترَك الإنساني. وقال إنّ “هذا الجهد الجليل في زمن تتزاحم فيه الأصوات المضلِّلة والانطباعات المغلوطة، منارة يحتذى بها في خدمة الحقيقة وبناء الجسور”.



