
لا تزال فرنسا تتخبّط داخل دائرة الأزمة الاقتصادية رغم التغييرات الحكومية التي أجرتها من أجل إنقاذ اقتصادها، آخرها تعيين فرانسوا بايرو ،رئيسا للوزراء في محاولة لإيجاد مخرج للأزمة التي زادها تعقيدا الوضع السياسي الهشّ في البلاد.
وتؤكد التصنيفات الائتمانية السلبية المتتالية العجز الفرنسي في القفز نحو استقرار اقتصادي على المدى القريب. وأبقت وكالة “إس آند بي”، أمس الجمعة، التصنيف الائتماني لفرنسا عند “AA-” وكانت قد أرفقت تصنيفها في فبراير بنظرة مستقبلية سلبية، ما يعني أن التصنيف يمكن أن يخفّض.وردا على سؤال لوكالة “فرانس برس”، قالت وزارة الاقتصاد الفرنسية إنها “أخذت علما” بهذا القرار، من دون إعطاء أي تفاصيل.
وفي شهر مارس/ آذار الماضي، غيّرت وكالة “إس آند بي غلوبال” نظرتها المستقبلية لتصنيف فرنسا الائتماني لتصبح سلبية، مشيرة إلى استمرار الغموض حول الوضع المالي للبلاد بعد فترة طويلة من الاضطرابات السياسية.
وقبلها، خفّضت وكالتا “موديز” و”فيتش” تصنيف فرنسا الائتماني استنادا على احتمال ضئيل للغاية بأن تتمكن الحكومة الجديدة من تقليص حجم العجز المالي بشكل مستدام إلى ما بعد العام المقبل، وذلك عقب الإطاحة بحكومة ميشال بارنييه وفشلها في إقرار موازنة 2025 التي اقترحت خططا لتقليص الإنفاق بقيمة 60 مليار يورو، والتي كان يأمل أن تكبح جماح العجز المالي المتصاعد في فرنسا.
وتسبّب الوضع السياسي الهش وضعف التوافق السياسي في فرنسا في تعميق الأزمة الاقتصادية، وتوسيع دائرة المخاوف من معارضة الرأي العام للخطط المطروحة للتخفيف من وطأة هذه الأزمة التي يطبعها عجز كبير في الميزانية وارتفاع نسبة البطالة وضعف الصادرات، وعلى رأسها التغييرات المحتملة في نظام التقاعد والقانون المثير للجدل لعام 2023 الذي رفع الحد الأدنى لسن التقاعد إلى 64 عاما من 62 عاما، في ظل توسّع احتمالات عجز نظام التقاعد العام بشكل حاد في السنوات القادمة.
حكومة بايرو تائهة بين خفض التكاليف وتفادي الاحتجاجات
وأعلن رئيس الوزراء الفرنسي، فرانسوا بايرو، قبل أسابيع، أنه يدرس اقتراحا بإجراء استفتاء على ميزانية البلاد، نظرا للمخاوف من أن تؤدي خطط خفض التكاليف إلى احتجاجات واسعة النطاق. وقال في مقابلة مع صحيفة “جورنال دو ديمانش”: “أعتقد أن الموضوع بالغ الخطورة، وله عواقب وخيمة على مستقبل البلاد، لذا يجب طرحه مباشرة على مواطنينا، لذلك لا أستبعد أي خيار”، وذلك في محاولة من الحكومة لتحقيق التوازن بين خفض عبء الدين في البلاد وتجنّب إثارة غضب النقابات العمالية والعمال الذين يخشون تخفيضات كبيرة في وظائف القطاع العام.
وأضرّ الغموض السياسي والمالي بالفعل بتصنيفات فرنسا، وقالت “إس آند بي” إنها قد تتخذ إجراءات سلبية إضافية على تصنيف فرنسا إذا لم تتمكن الحكومة من تقليص العجز الكبير في الميزانية بشكل أكبر خلال العامين المقبلين، أو إذا انخفض النمو الاقتصادي عن توقّعات الوكالة لفترة طويلة.
بطالة مرتفعة وتراجع في الاستثمارات وقدرة تصدير محدودة
وما زالت البطالة في فرنسا مرتفعة نسبيا عند 7.3 في المئة، خاصة في أوساط الشباب التي بلغت 17.6 في المئة، مقابل 6.5 في المئة فقط في ألمانيا. ومن ناحية الاستثمار الخاص، تراجعت نسبة الاستثمار في فرنسا بـ 6 في المئة، وهي أعلى نسبة انخفاض بين دول أوروبية مثل ألمانيا وإسبانيا. كما تظلّ القدرة التصديرية لفرنسا محدودة نسبيا عند 2.5 في المئة من الحصة العالمية في 2024، مقارنة بـ 6.6 في المئة لألمانيا.
وفي القطاع العام، بلغ العجز في الموازنة الفرنسية 6.2 في المئة من الناتج، وهو من أعلى المعدلات في منطقة اليورو، في حين بلغ الإنفاق العام 57.5 في المئة من الناتج، ما يعكس ضغطا هيكليا على المالية العامّة.
وفي المقابل، يؤكد التقرير الأخير لصندوق النقد الدولي حجم الأزمة الاقتصادية التي تتخبط فيها فرنسا منذ أشهر طويلة، حيث حذّر باريس من استمرار ارتفاع الدين وزيادة الإنفاق، وشدّد على ضرورة تطبيق إجراءات قد تكون قاسية على حد تعبيره، ابتداء من العام المقبل، لا سيما فيما يتعلق بنظام التقاعد والحدّ من البطالة.
ودعا صندوق النقد الدولي، في تقريره السنوي عن الاقتصاد الفرنسي الصادر حديثا، باريس إلى بذل جهود جديدة ومستدامة للحدّ من عجز الموازنة وكبح تصاعد الدين العام، وقال إنه ما لم تُتخذ إجراءات إضافية، فقد يبقى العجز قريبا من 6 في المائة على المدى المتوسط، ما يُبقي الدين العام في مسار تصاعدي.




