المخرج السينمائي محمد توفيق: الجانب البصري والشعري مهم في أفلامي الوثائقية

محمد توفيق سينمائي وشاعر عراقي، مقيم في كوبنهاغن استطاع خلال تجربته السينمائية الممتدة لاكثر من اربعين عاما أن يحقق عدداً من الأفلام التسجيلية والروائية القصيرة الهامة بالسينما العربية، نذكر منها: (مسيرة الاستسلام) (1981)- ( يوميات مقاتل ) (1982 ) – (أم علي) (1983) ويتناول على مدى عشرين دقيقة الام المناضلة ام علي التي قدمت اربعة شهداء من ابنائها من اجل كرامتها وكرامة الشعب الفلسطيني للخلاص من ظلم الاحتلال الاسرائيلي- و (الطفل واللعبة) (1986) الذي تدور احداثه حول واقع طفل فلسطيني في تونس اثناء الغارة الاسرائيلية على مقر منظمة التحرير في حمام الشط .. و(الناطور) (1988) ويتناول فيه قصة الانسان الفلسطيني في ظل الاحتلال الاسرائيلي وما يعانيه من قهر واستلاب واستغلال ، ومثل الدور الاول فيه الشاعر الفلسطيني احمد دحبور. و(شاعر القصبة) (2001) عن الخطاط/ الشاعر/ الفنان العراقي المغترب محمد سعيد الصكار، لقد ركّز الفيلم على مدى 55 دقيقة على الصكار الخطاط المبدع، ومصمم الحروف الطباعية العربية الحديثة، و(تحديات ساعي البريد) (2003) وهو فيلم وثائقي يتناول شخصية ” ألن ” الدانماركي المناصر للقضية الفلسطينية، فعندما يشن الجيش الإسرائيلي عدوانه الغاشم على الضفة الغربية يذهب ” ألن ” إلى فلسطين لايقاف الهجمة الاسرائيلية الشرسة على المدن الفلسطينية، ويعتصم في كنيسة ” المهد “، وينضمّ إلى المقاتلين الفلسطينيين المحاصرين في الكنيسة.
وفيلم (صائد الأضواء) (2004) إذ يقدم المخرج محمد توفيق قصة شاعر عراقي في الأربعينيات من عمره، يحاول التخلص من حالة الملل والرتابة والعزلة والوحشة التي يعيشها بإطلاق لحيته، وكتابة قصيدة عنها. وفيلم ” سنوات الرماد ” الذي يتناول مفهوم القمع الذي تعرض له أحد الضباط العراقيين واضطرته الظروف القاسية الى الاختفاء والتواري عن الأنظار لمدة 20 سنة قضاها في الحرب والأسر والاختفاء في أثناء النظام العراقي السابق، وحاول محمد توفيق في فيلم (ماريا نسرين ) المصنوع بحرفية جيدة والذي بلغت مدته 53 دقيقة أن يقدّم لنا سيرة ذاتية بصرية للفنانة الفلسطينية نسرين فاعور من خلال عمل مسرحي لها، واشتغل على الضوء والتشكيل والشعر في فيلميه ” الظلال ” و “باب السماء” .. وفي فيلم “جلجامش والكواكب الثلاثة”، وهي فكرة أنجزها وصورها في لندن مع التشكيلي فيصل لعيبي والمسرحي فاضل السوداني والموسيقي أحمد مختار، وحاول من خلالها تقديم تصور تلقائي أمام الكاميرا عن الكيفية التي تجري بها صناعة الإبداع عند ثلاثة فنانين مختلفين. في يتتبّع فيلم “الكَنّاوي: ساجر النار” شخصية الكَنّاوي كساجرٍ للنار ومُنشد للأغاني الروحية.
ويلخص محمد توفيق في حوارنا معه انتقالات تجربته السينما عبر اربعة عقود :
” بدأت عملي بعد التخرج في أكاديمية السينما حيث تعينت في مؤسسة السينما من عام 1974 الى عام 1978 حيث غادرت العراق .. في هذه الفترة اشتغلت كمساعد مخرج في عدد من الأفلام الوثائقية والروائية ومنها “بيوت في ذلك الزقاق ” لقاسم حول و ” الاسوار ” لمحمد شكري جميل، إضافة إلى أفلام وثائقية عديدة مع مخرجين عراقيين وبشكل خاص مع المخرج عبد الهادي الراوي . وخلال تلك الفترة عملت فيلمين وثائقيين في العراق الأول بعنوان “حرب أكتوبر” والثاني بعنوان “صانعة الأجيال” وهو عن المرأة العراقية.
غادرت العراق الى بيروت عام 1978 وعملت في مؤسسات السينما الفلسطينية وقدمت خلال هذه الفترة فيلم ” مسيرة الاستسلام “الذي يعتمد على كاركاتير ناجي العلي. فيلمي الثاني ببيروت” يوميات مقاتل “عام 1982 وصورته في كل معسكرات المقاتلين الفلسطينيين، بعد ذلك أنجزت فيلم اسمه ام علي كان من المفترض ان أصوره بلبنان ثم صورته في سورية بعد الاجتياح الاسرائيلي للبنان. بعد ذلك انتقلت الى تونس وأنجزت فيلم “الطفل والدمية” وهو بمثابة صرخة على الغارة الجوية الإسرائيلية على منطقة حمام الشط في تونس . ثم فيلم ” الناطور “وهو روائي قصير، بعد ذلك أنجزت برنامجاً تسجيلياً حوارياً مع الشاعر الفلسطيني محمود درويش. ثم المرحلة الرابعة بالدانمارك، اول فيلم أنجزته “شاعر القصبة “ثم “صائد الأضواء” و” سنوات الرماد” و ” تحديات ساعي البريد” و “الظلال” و “باب السماء ” و” ماريا نسرين ” عن المسرح، وهو تماهٍ بين شخصية الممثلة على المرح وشخصيتها في الحياة “.
وعن ظروف العمل السينمائي وموضوع التمويل للأفلام الوثائقية في الدانمارك يقول ” يوجد معهد السينما وهو الجهة الرئيسية لتمويل الأفلام بالدانمارك وهناك سياسة الذراع الطويلة بالإنتاج، فهم ينتجون أفلاما لكل القطاعات من المرأة إلى الطفل، بالإضافة لوجود شركات خاصة تعتمد على وزارة الثقافة . وفيلمي شاعر القصبة حصلت على المعدات والتجهيزات والمونتاج من المعهد بوزارة الثقافة بالإضافة لدعم جهات أخرى مثل جمعية المخرجين الدانمركيين. أما أفلامي الأخرى فقد أنجزتها اعتماداً على التمويل الذاتي – ما يسمى السينما المستقلة – حيث اكتب وأصور وأقوم بمونتاج الفيلم ” .
بالإضافة لأفلامه الوثائقية التي أنجزها، لدى محمد توفيق العديد من سيناريوهات الأفلام الطويلة المنشورة والتي لم يحققها سينمائيا، عن ذلك يقول : ” انا في الأساس دارس دراما في معهد السينما، ومن المفترض ان اعمل أفلاما روائية مع تقديري وحبي للسينما الوثائقية، ولكنك تعرف نتيجة ترحالنا من بلد الى بلد واصطدامنا بحائط التمويل، علما ان لدي ثلاثة سيناريوهات افلام مطبوعة في كتابي الموسوم ” محطات الانتظار “وهناك سيناريو لفيلم طويل اخر مكتوب منذ عام 1992 اسمه” رجل المرآة “لو كان الوضع طبيعيا في العراق لكنت أنجزت مشاريعي الروائية وانا المتخرج في معهد السينما منذ عام 1974، ولكن الواحد مكبل ومقيد،وبالمقابل لا مشكل لدي ان انجز أياً من الانواع السينمائية طالما أجد نفسي فيه “.
ونرى نزوعا خاصا مميزا نحو التشكيل والشعر لصياغة قصيدة بصرية في أعمال محمد توفيق السينمائية كما في ” ظلال ” و” شاعر القصبة ” عن ذلك يقول : ” الجانب البصري في السينما مهم جدا وانا لا اصطنع في عملي ولكن ذلك يعتمد على نوعية الفكرة، لذلك ترى في فيلم ” ظلال ” الإضاءة تعتمد على الجانب التشكيلي الموجود في الفيلم، وانا اعتمد هنا على مصادر الضوء وإسقاطه وكيف يشكل لوحات… المصدر الأساسي في الفيلم هو الشمس وأخذت حركة الشمس كضوء والتحولات التي تحصل داخل البيت من خلال الضوء الآتي من خارج البيت . اما في فيلم ” شاعر القصبة ” فالشخصية التي تناولتها ( الصكار ) هو خطاط ويعتبر من اهم الخطاطين في الوطن العربي بل شيخ الخطاطين ولكون الفيلم عنه يعتمد على لوحات خطية لهذا اتى الجانب التشكيلي الموجود بداخل اللوحة . لم أصور هذه اللوحات بطريقة فوتوغرافية وإنما صورتها بطريقة ديناميكية موسيقية، ولهذا لاحظت اللوحات تتداخل مع بعضها وتشكل انتقالها كأنها موسيقى داخلية للفيلم “
وعن الشيء الذي يجذبه لانجاز فيلم يقول محمد توفيق : ” ألتقط الفكرة من جهات مختلفة، إما اعتماداً على المخيلة آو واقع الحياة اليومية فمثلا “مسيرة الاستسلام “اتى من متابعة يومية لرسوم ناجي العلي في جريدة السفير، وفي فيلمي” ام علي” و “شاعر القصبة” شخصيات واقعية . وربما وأنت تمشي تأتيك فجأة فكرة مثل وميض لتشتغل عليها مثلا بفيلم ” ظلال” الفكرة كانت في بالي وانتظرت خمس سنوات لانجازها بعد حصولي على كاميرا خاصة، لأنني اعتمدت هنا على التجريب. وأيضا فكرة ” سنوات الرماد” جاءت من مجموعة من الأسئلة التي طرحتها على أصدقائي وأقاربي عندما ذهبت للعراق بعد 24 سنة من الغياب وحدثوني عن ضابط برتبة عميد اختفى 15 سنة داخل بيت. أيضا فكرة فيلم” يوميات مقاتل” أتت من شخصيات اعرفها ولذلك تناولت أربع شخصيات من المقاتلين الفلسطينيين من أربعة أجيال مختلفة 70 سنة و45 سنة و35 سنة و14 سنة وسألتهم أسئلة واحدة وكان الفيلم رداً على بعض وسائل الأعلام التي تظهر المقاتل الفلسطيني كسوبرمان، أنا حاولت ان أظهره كانسان عادي وبسيط عبر علاقته مع عائلته ومع الطبيعة ولكنه يحمل السلاح من اجل قضية، ولهذا طيلة عرض الفيلم وطوله 35 دقيقة لا تسمع صوت طلقة واحدة . أما فيلم ” ماريا نسرين ” فقد خطر في ذهني أن عمل مسرحية للكاتب الايطالي داريو فو وتمثلها ممثلة فلسطينية اسمها نسرين والفيلم تماهٍ عن شخصية الممثلة بين حياتها اليومية وشخصيتها على المسرح “.
حوار : محمد عبيدو




