الثقافة

السينما والحروب 1 : سرديات سينمائية عن الحرب العالمية الاولى

ترافقت بدايات السينما مع أحداث حروب هائلة كانت وما زالت مصدر الهام غني وكبير للسينما وتغذيها بمواضيع متنوعة وشيقة. فهي توفر مساحة زمنية مميزة ومليئة بالدراما والأحداث، قصص بالمئات، وبطولات وتضحيات، وقد تكون قصص هذه الافلام مستندة الى: رواية، قصة تاريخية حقيقية، سيرة أحد الشخصيات العسكرية، أو قد يكون الفيلم عبارة عن فيلم وثائقي حربي، ومعظم هذه الأفلام يتم تضمينها قصة درامية علي هامش نزاع عسكري معين وتتضمن حالات رومانسية أو كوميديا أو إثارة لإضفاء بعض الاجواء الحيوية إليها.

  يزيد الاهتمام بالإصدارات السينمائية الخاصة بالحرب العالمية الأولى رغم مرور اكثر من مائة عام عليها. وهي التي أدى التنافس الإمبريالي بين الدول الاستعمارية إلى اندلاعها سنة 1914 وقد أخذت في البداية صبغة أوربية لتتحول إلى حرب عالمية. كان فيها لأول مرة استعمال الأسلحة الكيميائية. تم قصف المدنيين من السماء لأول مرّة في التاريخ. شهدت البشرية ضحايا لم تشهدها من قبل.

سقطت السلالات الحاكمة والمهيمنة على أوروبا وتم تغيير الخارطة السياسية لتلك القارة. وترافق التعبير عن هذه الحرب مع السينما الناشئة والصامتة بذاك الوقت، وكان الجانب الحربي البارز في تلك الأفلام هو غرق البارجة لوزيتانيا في العام 1915 بواسطة الغواصة الألمانية الشهيرة U-boat وأدت الى مشاركة الولايات المتحدة في الحرب، ومن أوائل هذه الافلام فيلم ” هناك ” عام 1917 من إخراج جورج كوهان، وفيلم فيتا غراف الشهير ” فوق القمة ” عام 1918، وفيلم الانميشن القصير ” غرق لوزيتانيا ” عام 1918 من إخراج وينسور ماكاي .

    وقد كان فيلم المخرج دايفيد غريفيث ” قلب العالم ” عام 1918، المشجع والداعم الأكبر للولايات المتحدة في الصراع الأوروبي الذي خلق الحرب العالمية الأولى . وقد عرض الفيلم تأثير الحرب على مجند عانى بشكل كبير من الوحشية الألمانية المتمثلة في شخصية ضابط عديم الرحمة.

أول ظهور لسينما الحروب

وفي العام 1918 أيضا، قدمت شركة الإنتاج الشهيرة ” وورنر برزرز ” أول انتاجاتها الحربية، والمتمثلة في فيلم يعرض القصة الحقيقية للسفير الأمريكي في ألمانيا، جيمس جيرارد، خلال الفترة 1913 – 1917، وخلال ذلك يصور المخرج القساوة والوحشية والظلم الألماني الذي شهد عليه هذا السفير، وسمي الفيلم ” سنواتي الأربع في المانيا ” .

    وفي ألمانيا أثناء الحرب العالمية الأولى استغل القيصر هذه الوسيلة مبكرا وأعطى أوامر بإخراج أفلام وثائقية تمجد تاريخه ، ومن هنا عبدت الطريق للاستعمال السياسي لهذا الفن وقد عرف هذا الاتجاه نموا متزايدا بنهاية الحرب العالمية الأولى فضلا عن وصول السلطة آنذاك إلى قناعة مفادها ان السينما تشكل الدعامة الأولى للدعاية السياسية، واتحد أصحاب المصارف والصناعات الكيميائية والتسليح، لتأسيس شركة (يونيفرسوم فيلم) عام 1917، بصفة منتج مهيمن على الفيلم الألماني، حيث تم حظر أفلام الفرنسية والانكليزية والأميركية باعتبارهم أعداء لألمانيا أثناء الحرب، فاضطرت صناعة السينما الألمانية على زيادة الإنتاج، ووصل إلى 300 فيلم سنويا فازدهرت المعالجات الإخراجية، وتنوع الموضوعات الفلمية، وظهرت أفلام ممتازة، ومخرجين أكفاء يقف على رأسهم (ارنست لوبتش)، اذا اخرج مجموعة من الأفلام منها (كارمن، الأميرة ذات المحار). وبرز ما أطلق عليه أفلام ” سينما فيمار ” التي اعتبرها العالم واحدة من أغنى وأكثر الفترات ابتكارا في تاريخ السينما .

 بعد الحرب العالمية الأولى والمشاكل الاقتصادية التي كانت تتخبط فيها الصناعة الألمانية تخلصت الدولة من تسيير إستديوهات الإنتاج لفائدة أشخاص آخرين ومن هنا بدأنا نحس بتيار التغيير يهب على السينما الألمانية باتجاهها نحو تصوير الحالة الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي كان يعيشها المواطن الألماني .

  أما في فرنسا فتأزمت السينما خلال مرحلة الحرب العالمية الأولى وفقدت العديد من الاستوديوهات والمخرجين والممثلين لكنها رغم ذلك أنتجت أفلام تحكي معاناة تلك الحقبة كفيلم احذري أيتها الفرنسية وابنة الألماني إضافة إلى الموت في ساحة المعركة مع بروز مخرجين آخرين كايبيل غانس ومارسيل ليبرييه.

في انتظار الصوت

  في ذلك الزمن، كانت السينما غير ناطقة بسبب عدم القدرة حينها على المزامنة بين الصور والصوت. وبالتالي فإن التسجيلات المصورة للمتحاربين على الجبهة كانت تفتقر إلى أحد الأبعاد الأساسية: الصوت. ولم تتم مقاربة الحقيقة الصوتية للمعارك سوى في مرحلة بعد الحرب، خصوصاً من خلال الوثائقي “فردان، نظرة إلى التاريخ” الذي صوره عام 1929 الفرنسي ليون بوارييه. ووصف هذا الوثائقي بأنه “عمل شديد الدقة لإعادة التركيب مع الصوت”.

ومع ظهور عصر الأفلام الناطقة برزت مجموعة اكبر من الأفلام منها “كل شيء هادئ على الجبهة الغربية ” عام 1930، للمخـرج الأميركي لويس مايلستون مستوحى من رواية للكاتب ايريك ماريا ريماركي. وأشرف على المضمون الصوتي لهذا الـفيلم جـنود سابقون خاضـوا الحرب العالمية الأولى. ويعتبره بعض النقاد أفضل فيلم مناهض للحرب و يُظهر عبثيّة وبشاعة الجرائم التي تستوجبها الحروب، وفي عام 1979 أعاد ديلبروت ماين إخراجه في نسخة ملوّنة.

وأيضا تحدثت عن الحرب العالمية الأولى أفلام مثل : ” الطريق الى النصر ” عام 1936 و ” الوهم الكبير ” عام 1937 و “جاليبولي ” و‏” الجندي يورك حصل علي سلاحه “، وصولا الى فيلم ‏” لورانس العرب‏ “‏ إنتاج عام‏1962:‏ وهو من أشهر الأفلام التي أنتجتها السينما الأمريكية في تاريخها عن زمن الحروب وتناولت تحديدا الحرب العالمية الأولى‏،‏ وهو من بطولة بيتر أوتول الذي قام بدور لورانس‏، وأنتوني كوين في دور عودة‏،‏ وشارك في البطولة عمر الشريف في دور الشريف علي‏، وجميل راتب في دور مجيد‏.‏والفيلم مأخوذ عن كتاب “أعمدة الحكم السبعة” للورانس نفسه والذي يتعرض فيه للثورة العربية الكبرى عن السلطة العثمانية بقيادة “الشريف حسين”، وأحداث الحرب العالمية الأولى، وقيام لورانس بدور كبير في ذلك الوقت مستغلا معرفته الواسعة بالعشائر والحكام وطبيعة المنطقة.

المخرج البريطاني سام ميندز في فيلمه “1917” الذي تدور أحداثه عن الحرب العالمية الأولى نال جائزة الغولدن غلوب لأفضل فيلم دراما وأفضل إخراج، كما فاز  بجائزة النقاد لأفضل تصوير سينمائي، تبدأ أحداث الفيلم وتنتهي يوم 6 من أبريل 1917، إذ تدور جميع الأحداث بيوم واحد فقط، والقصة التي يحكيها ميندز شديدة البساطة في جوهرها وهي عن جنديين بريطانيين هما: بيليك وسكوفيلد، تكلفهم القيادة العليا المتمركزة في فرنسا بتسليم رسالة إلى كتيبة ديفونشابر الثامنة وحتى يتم تسليم هذه الرسالة يجب عليهما المرور بخنادق الجنود الألمان

محمد عبيدو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button