
مع دخول الحرب يومها التاسع يبرز سؤال مركزي هل نجحت الضربة الأمريكية الإسرائيلية في كسر البنية الاستراتيجية للنظام الإيراني، أم أن إيران تمكنت من امتصاص الضربة الأولى وتحويل الصراع إلى حرب استنزاف طويلة ترهق القدرات العسكرية والاقتصادية للخصوم؟ ويتفرع عن هذه الإشكالية سؤال آخر إلى أي مدى يمكن للتكتيكات التي تعتمدها إيران أن تعيد تشكيل ميزان القوة في هذه الحرب؟
المعطيات:
الوقائع الميدانية والسياسية:
1- المستوى السياسي
مجلس خبراء القيادة في ايران انتخب رسميا مرشدا جديدا خلفا لعلي خامنئي مع ترقب إعلان اسمه خلال الساعات القادمة.
صدور تهديدات إسرائيلية باستهداف المرشد الجديد في حال الإعلان عنه.
2- المستوى العسكري
استمرار إسقاط المسيرات الأمريكية والإسرائيلية رغم الأضرار الكبيرة التي لحقت بشبكة الدفاع الجوي الإيرانية.
نجاح إيران في استخدام منظومات Tor-M1 المتحركة الروسية لإسقاط عدد من الطائرات المسيرة، ما أدى إلى تقليص قدرة العدو على الاستطلاع الجوي.
3- المستوى العملياتي
دخول الحرب مرحلة الاستنزاف العسكري.
طلب الولايات المتحدة تعزيزات دفاعية من من كوريا الجنوبية
إرسال حاملة الطائرات الأمريكية USS George H. W. Bush (CVN-77) إلى المنطقة.
انضمام حاملة طائرات بريطانية وأخرى فرنسية إلى مسرح العمليات.
4- الاستنزاف الصاروخي
الاستهلاك الكبير للصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل نتيجة الكثافة العالية للهجمات الصاروخية.
5- الجبهة اللبنانية
دخول حزب الله في المواجهة.
قصر المسافة الجغرافية بين لبنان والكيان الإسرائيلي يقلل زمن الإنذار المبكر ويزيد من فعالية الضربات.
6- الاستهداف الاقتصادي
تركيز الضربات الأمريكية الإسرائيلية منذ مساء أمس على خزانات الوقود الكبرى في طهران بهدف شل العاصمة وإحداث ضغط اجتماعي داخلي.
التحليل:
1- التحول إلى حرب استنزاف
الوقائع الميدانية تشير إلى أن الصراع لم يعد حرب ضربة خاطفة، بل تحول إلى حرب استنزاف متعددة الجبهات.
هذا التحول يفرض ضغطا لوجستيا كبيرا على منظومات الدفاع الجوي الأمريكية والإسرائيلية.
2- التكتيك الإيراني
يعتمد الحرس الثوري على مبدأ الإغراق الناري وهو تكتيك يقوم على:
• إطلاق أعداد كبيرة من الصواريخ القديمة منخفضة التكلفة.
• استخدام مسيرات انتحارية رخيصة.
• إجبار الدفاعات الجوية على إطلاق صواريخ اعتراضية باهظة الثمن.
تقنيا تبلغ تكلفة الصاروخ الاعتراضي في بعض الأنظمة مئات آلاف الدولارات، بينما قد لا تتجاوز تكلفة المسيرة بضعة آلاف فقط ما يخلق معادلة استنزاف اقتصادية وعسكرية.
3- الحرب ضد الاستطلاع الجوي
نجاح منظومات Tor-M1 الروسية المتحركة في إسقاط المسيرات يعني تقليص قدرة العدو على جمع المعلومات (إضعاف عيون الجيش في السماء يقلل من دقة الضربات الجوية)
4- تأثير الجبهة اللبنانية
القرب الجغرافي بين لبنان والكيان الإسرائيلي يقلص زمن الطيران للصواريخ إلى دقائق قليلة، ما يؤدي إلى:
• تقليص زمن الاستجابة الدفاعية.
• تقليل فعالية أنظمة الإنذار المبكر.
• زيادة نسبة الاختراق الصاروخي.
5- الاستراتيجية الأمريكيةة الإسرائيلية
تركز الضربات الأخيرة على البنية التحتية للطاقة بدل الأهداف العسكرية المباشرة وهي استراتيجية تهدف إلى:
• خلق ضغط اقتصادي داخلي.
• تعطيل الحياة في العاصمة.
• محاولة دفع الشارع الإيراني إلى حالة فوضى أو ضغط سياسي على النظام.
الخلاصة :
تشير المعطيات الحالية إلى أن الحرب انتقلت من مرحلة الضربة السريعة إلى مرحلة الاستنزاف الاستراتيجي وفي هذا النوع من الحروب، لا يكون الحسم مرتبطا فقط بالتفوق التكنولوجي، بل بقدرة كل طرف على إدارة الموارد، وتحمل الخسائر، وإطالة أمد الصراع.
وفي هذا السياق، يبدو أن إيران تراهن على تكتيكات منخفضة التكلفة لإرهاق المنظومات الدفاعية الأمريكية والإسرائيلية، في حين يحاول الطرف المقابل نقل المعركة إلى الداخل الإيراني اقتصاديا واجتماعيا.
محمد لمين بليلي




