الجزائر في حرب أكتوبر 1973… قلب المعادلة

الجزائر في حرب أكتوبر 1973 لم تكن مجرد مشارك عابر، بل قلبت موازين القوة وأثبتت أن النخوة الوطنية والعربية يمكن أن تتغلب على الحسابات التقليدية والمنطق. دولة حديثة العهد بالاستقلال، خرجت من حرب استنزاف دامت ثماني سنوات واستعمار دام أكثر من قرن، لم تكن بالنسبة للعدو الصهيوني قوة جديرة بالاعتبار، إذ قلل الصهاينة من شأن الجزائر وجيشها. لكنهم تجاهلوا أن هذه الدولة، بشعبها وجيشها، لا تخضع لأي حسابات عندما يتعلق الأمر بالسيادة والكرامة، وهذا ما أثبتته الجزائر في حرب أكتوبر 1973، حيث سجلت حضورًا مشرفًا في تاريخ الصراع العربي-الإسرائيلي، حتى أن كتب التاريخ العسكري الصهيوني اعترفت بالدور الجزائري رغم محاولات التعتيم.
الجزائر تهب دفاعًا عن الأمة العربية
من منطلق مبادئها الراسخة في الدفاع عن السيادة العربية، لم يكن للجزائر أن تتخلف عن المشاركة في التحرك العربي ضد الكيان الصهيوني في حرب أكتوبر 1973. على الرغم من حداثة استقلالها وقلة الإمكانيات المادية والعسكرية، سارعت الجزائر بإرسال قواتها للمشاركة في الجبهتين السورية والمصرية، وفقًا لاتفاقية الدفاع العربي المشترك. لقد دفعت الجزائر بجيشها وشعبها إلى قلب المعركة، مما أجبر العدو على إعادة حساباته.
فقد كان لجيش الجزائر دور حاسم، حتى أن الجنرال الصهيوني أرييل شارون هدد جنوده بالتصفية إذا كشفوا حقيقة ما حدث في 24 و25 أكتوبر في ميناء الأدبية بمصر، بعدما كان يعتقد أن القوات الجزائرية ستنهار عند رؤية الدبابات الصهيونية.
كلمة الرئيس هواري بومدين
عشية إرسال القوات الجزائرية إلى مصر، خاطب الرئيس الراحل هواري بومدين جنوده قائلاً: “أنتم ذاهبون إلى أشرف معركة، معركة الدفاع عن الأرض والعرض. هذه المعركة من أشرف المعارك، ولن نبكي على من يموت فيها بل سنزفه شهيداً وتزغرد عليه الأمهات.” كلمات بومدين كانت كافية لإشعال الحماسة في صفوف الجيش والشعب الجزائري، الذين توجهوا إلى مصر بالروح نفسها التي حاربوا بها الاستعمار الفرنسي. وقد أشاد بهم الفريق سعد الدين الشاذلي في مذكراته، مؤكدًا أنهم كانوا الأكثر حماسة بين الجيوش العربية.
الدعم العسكري والاقتصادي
لم يقتصر الدعم الجزائري على القوات البشرية، بل شمل كذلك الدعم العسكري والاقتصادي. فبمجرد أن طلب الرئيس المصري أنور السادات دعمًا إضافيًا، لم يتوان هواري بومدين عن تقديم 200 مليون دولار إلى الاتحاد السوفيتي لشراء الأسلحة لصالح مصر. وشاركت الجزائر في الحرب بـ 96 دبابة، و50 طائرة حديثة من طراز “ميغ” و”سوخوي”، بالإضافة إلى فيلق مدرع من 2115 جنديًا.
معركة الأدبية… درس قاسٍ للكيان
على الرغم من قلة خبرة الجيش الجزائري وحداثة أسلحته، إلا أن القوات الجزائرية استطاعت تكبيد العدو خسائر فادحة في معركة الأدبية ضمن معركة السويس. في هذه المعركة، فقد الكيان 900 جندي و172 دبابة في يوم واحد فقط، وهو ما تسبب في ارتباك كبير داخل صفوف القيادة الصهيونية. الجنرال أرييل شارون، الذي تجاهل الأوامر العسكرية، اندفع لمواجهة القوات الجزائرية، التي أعطته درسًا قاسيًا في القتال، وكان لهذه الهزيمة أثر كبير في مسار الحرب.
الذاكرة العربية والبصمة الجزائرية
رغم محاولات الإقصاء الإعلامي، تبقى بصمة الجزائر في حرب أكتوبر 1973 حاضرة في ذاكرة الأمة العربية. لقد شاركت الجزائر بنخوة لم تعرف الاستكانة في الدفاع عن القضايا العربية، ودعمت سيادة الدول العربية بدماء جنودها وبإمكاناتها المادية، مما جعلها تسطر صفحة مشرفة في تاريخ النضال العسكري العربي.



