الأخبارالدوليرأي

الإعلام الفرنسي من أداة للتوجيه إلى أداة للهيمنة الفكرية في ظل أزمة القيادة

في الآونة الأخيرة، تصاعدت الهجمات الإعلامية الفرنسية ضد الجزائر، وكان من الصعب تصور هذا التحول الكبير في طبيعة الإعلام الفرنسي، فقد شهدت الساحة الإعلامية تراجعا ملحوظا في الأداء، إذ تحوّل الصحفي الفرنسي، الذي كان يُفترض أن يكون صوتا حياديا ومحترفا، إلى مجرد مرتزق إعلامي فاقد للاحترافية، متجاهلا المعايير التي لطالما كانت سمة بارزة للإعلام الفرنسي، هذا التحول المثير يطرح تساؤلات هامة حول مستقبل الإعلام في فرنسا وتأثيره على تشكيل الوعي العام، ليس في فرنسا فقط، ولكن في أوروبا أيضا.
في عصرنا الحالي، حيث لا تقتصر وظيفة الإعلام على نقل المعلومات بل تمتد إلى تشكيل وعي المجتمعات وتوجيه الرأي العام، فقد أصبح الإعلام، الذي كان في السابق من بين القوى الفاعلة في تشكيل الوعي الجماعي، أداة لتسويق أجندات ضيقة وأحيانا مشوهة، إذ أن الإعلام الفرنسي، في الوقت الحالي، فقد مهنته الأساسية في تقديم تحليلات موضوعية وحيادية، بل أصبح يعكس فقط الانقسامات السياسية والفكرية داخل فرنسا.
كانت وسائل الإعلام الرسمية في فرنسا، بما في ذلك البرامج التي تُستدعى فيها شخصيات من مختلف التوجهات الفكرية، تُمثل مصدرا هاما للتحليل الموضوعي والعميق أما اليوم، أصبح تناول القضايا المختلفة سطحيا، مع تحريف وتبسيط كبيرين، ما جعلها تفتقر إلى العمق النقدي الذي كان يُميز الصحافة الفرنسية في فترات سابقة، هذه السطحية الإعلامية تعكس بشكل واضح الأزمة التي يواجهها الإعلام الفرنسي، حيث بات الوعي العام في فرنسا يتجاوز سيطرة الحكومة، مما يجعل من الصعب توجيه الرأي العام بواسطة حكومة ماكرون، التي تعاني من ضعف كبير.
إذا كان الإعلام قد فشل في تقديم تحليلات مستقلة وموضوعية، فكيف يمكن للحكومة الفرنسية أن تروج لسياساتها في ظل هذه الأزمة؟ الرئيس ماكرون، الذي كان يُتوقع منه أن يكون قائدا ذا رؤية، لم يستطع إظهار فعالية فلسفته السياسية في أرض الواقع بل إن فشله في تعزيز سياسة داخلية قوية، إلى جانب افتقاده للكاريزما اللازمة، قد دفع العديد من المراقبين إلى التساؤل عن إمكانية حدوث تغييرات جذرية في فرنسا، في ظل هذا الوضع، تبرز احتمالات نشوء “جمهورية فرنسية” جديدة على أنقاض الأزمة الإعلامية والضعف السياسي الحاصل.
إن ما يشهده الإعلام الفرنسي اليوم يعكس حالة من التدهور الفكري والنقدي، وهو ما يستدعي ضرورة النظر إلى الإعلام كأداة أساسية في إعادة بناء الوعي السياسي والثقافي في البلاد، إذا استمر الإعلام في هذا الاتجاه، فإنه سيظل يشكل عائقا أمام أي محاولة لتجديد الفكر السياسي الفرنسي، الذي يحتاج إلى خطاب إعلامي أكثر نقدا وعمقا، الوعي الفرنسي الحالي، كما يتجلى في الإعلام، يتطلب مراجعة شاملة لأسس هذا الخطاب وتقديم خطاب إعلامي قادر على المساهمة في التحولات الاجتماعية والثقافية التي يشهدها العالم اليوم.
إن أزمة الإعلام في فرنسا، في ظل الانحدار الذي أصابه، تفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول مستقبل الإعلام الفرنسي وقدرته على تجاوز هذه الأزمة في ظل القيادة السياسية الضعيفة وعدم القدرة على التأثير في الرأي العام، سواء في الداخل أو الخارج، يبقى الإعلام الفرنسي أمام تحديات كبيرة في استعادة دوره كمصدر حقيقي للمعرفة والتحليل المستقل.
محمد لمين بليلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button