الثقافة

“الأهليل ” تراث غنائي جزائري مصنف عالميا

الأهليل تراث غنائي جزائري يتصل اتصالاً وثيقاً بنمط الحياة لدى قاطني منطقة قورارة، التي تبعد بحوالي 1000 كلم جنوب غرب الجزائر، حيث ينتشي السكان هناك بتراث “الأهليل” الشعري الغنائي الأصيل المترع بأشعار الحب الصوفية. وهو مصنف ضمن قائمة التراث العالمي اللامادي لدى اليونيسكو، وكان لفترة مهددا بالزوال .

ويعتبر الأهليل ديواناً شعرياً ضخماً، يعكس مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للإنسان الجنوبي، ويراه عشاقه الكثر من سكان الصحراء الكبرى، فناً روحانياً عريقاً مرتبطاً بالموروث الثقافي المحلي يعبّر – بشكل أو بآخر – عن قوته في المقاومة .

و كان الكاتب مولود معمري (1917-1989) اول من سلط الضوء على “أهليل قورارة”، عندما كان مديرا للمركز الوطني للأبحاث في عصور ما قبل التاريخ وعلم الإنسان والتاريخ ، و ذلك في  كتاب اعتمد على البحث والمعايشة الميدانيّين وعلى التأصيل الأنتروبولوجيّ واللّساني لهذه الظاهرة الفنّية والاجتماعيّة التي يمزج بين الموسيقى المتعددة النغمات وبين الشعر والرقص، إنه نوع من الفنون المتكاملة، ترك على ما هو عليه في الأصل في اللغة الزناتية : أهليل، فهو عبارة عن احتفال يشمل الرقص والغناء في الوقت نفسه، وهو أيضا عائلي و شعبي، وغالبا نجد هذه الظاهرة في الحفلات الدينية والعائلية، والأهليل احتفال ليلي ، ويجري الاحتفال انطلاقا من الحادي عشرة ليلا إلى الفجر. يقف الرجال كتفا إلى كتف، يشكلون حلقة التوائية، وداخل هذه الحلقة نجد بعض الشخصيات : تتكون مجموعة منها من ثلاثة أشخاص : المغني ، و هو الشخصية الرئيسية المتمثلة في الشاعر الذي يتلو أبيات الأهليل) و عازف الناي ، و قارع الطبلة (الدربوكة). إضافة إلى هذه الشخصيات، نجد داخل الحلقة مسير اللعبة وهو الذي يوحي على الجوقة بالأشكال التي يقومون بها (مثل الانحناء إلى الأمام ثم العودة إلى الوراء، و تسمى هذه الحركة Arezzi، و أمامه راقصون يقومون بنفس الحركة (بالاتجاه المعاكس لعقارب الساعة) و لكن بصفة تراجعية ، وسمي بــ “قورارة” نسبة إلى “قورارة” الواقعة بولاية أدرار بعمق الصحراء (1400 كلم جنوب غرب الجزائر العاصمة)، ويشترك في أدائه خلال المناسبات الدينية والاجتماعية الرجال والنساء، يرددون نفس الأشعار والكلمات مع مرافقتها بالتصفيق، وبحركات للجسد تتناغم مع الألحان.

وبحسب الباحث عثمان دلباني، يحكي “الأهليل الملاحم التي عرفتها المنطقة والحروب العائلية وقصص النصر والهزيمة، و كل ما تخزنه الذاكرة الجماعية لأهل المنطقة من أجل الحفاظ على الموروث. فهناك نصوص قديمة تغنى بها القدامى ما زالت تصنع شهرت الأهليل مثل أغاني داده عائشة، المتوفاة في 956 م، ذات المواضيع المتعددة”.

ويتعيّن على كل من يريد فهم أصول هذا التراث، الاعتماد على موروث أبرز مدارس تعنى بتراث الأهليل، وهي: تيميمون، كالي، أولاد سعيد، أوقروت، شروين ومدرسة طلمين، وهذه المدارس جميعها تتسم بمنهجها الصوفي، ويشير الشيخ “البشير” كبير فرقة “القورارة” على أنّ موسيقى الأهليل ثلاثية الاتجاه فهي “إسلامية الطابع، مغاربية المنشأ، تربوية الروح”، وتهدف بمنظاره إلى بعث الوعي الروحاني لدى جمهور المتلقين وتحفيزهم على التأمل في بدائع الخالق ونواميس الكون.

وحسب تعبير بيار بورديو صار هذا الفنّ واحداً من الطّقوس الصّوفية والطرقية التي ميّزت علاقة الإنسان القوراري بفضاء الأولياء والمرابطين، مما ولد إسلاماً ثقافياً. والأهليل كان يقتصر قديماً على بضع آلات إيقاع ويقوم على الأهازيج، ليتطور لاحقاً إلى مستويات استعراضية جرى فيه المناغمة بين الأشعار الصوفية والفولكلور المحلي.

ويشارك فيه عازفو آلات القنبري الوترية (عود ذو رقبة طويلة وعليه وتران من الأمعاء الحيوانية) والإمزاد، البندير، الطبلة، الدف، فضلا عن البانجو، الكمان، والقيثارة، ويؤدى هذا اللون من طرف فرق تتألف غالباً من سبعة منشدين، ويشترك في الأداء النساء والرجال، وهم واقفون مصطفو الأكتاف ويتحركون في شكل دائري. ويتوسط الحلقة رئيس الفرقة، يرددون الكلمات نفسها مع مرافقتها بالتصفيق الذي يتلاءم مع الألحان التي تدعم بحركات أجسادهم ويعرض على مراحل في السهرة الواحدة.

في لقاء نظم ضمن الطبعة أل 14 للمهرجان الثقافي الوطني للأهليل الذي اختتمت فعالياته نهاية الأسبوع الماضي، حث متدخلون من أكاديميين وباحثين في التراث على دعم الفرق الناشئة وإعطائها مكانتها في المهرجان والتنسيق مع قطاعات الاتصال والثقافة والفنون والسياحة والصناعة التقليدية لإعطاء زخم لتراث الأهليل ، وتفعيل الدور الاقتصادي للمهرجان، والمساهمة في توثيق هذا الموروث وتمكين الطلبة والباحثين من معطيات ومراجع تساعدهم على البحث حول هذا التراث اللامادي العالمي.

وشاركت في تنشيط هذه التظاهرة في نشيد قورارة الأزلي التي تواصلت سهراتها على مدار أربعة أيام وحملت شعار” قصائد الأهليل بين ظاهر المعنى اللغوي وعمق المدلول وأبعاده” 15 فرقة تراثية من بينها فرقتين للبراعم (أقل من 14 سنة)

وقد أهديت فعاليات هذه النسخة من المهرجان إلى روح الفقيد الشيخ تلاوي محمد المعروف ب(حمو كوكو) نظير جهوده المبذولة في إحياء هذا التراث الفني للمنطقة وإيصاله إلى العالمية.

محمد عبيدو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى