أيام تكريمية للمسرحي ولد عبد الرحمان كاكي بمستغانم

تتواصل اليوم 23 مارس ، فعاليات الأيام التكريمية للمسرحي ولد عبد الرحمان عبد القادر المدعو «كاكي»، في دار الثقافة ولد عبد الرحمن كاكي، بمستغانم، و تأتي هذه التظاهرة الثقافية في إطار الاحتفالات باليوم العالمي للمسرح، من تنظيم الجمعية الثقافية كارتينا للمسرح، و بحضور كوكبة من الفنانين وأساتذة جامعيين وباحثين يشتغلون على المسرح وتاريخ ومسارات المسرحي الكبير على مرّ السنين.
تخلل برنامج التظاهرة ملتقى وطني حول الممثل والشخصية في مسرح كاكي، فضلا عن ورشة للكتابة المسرحية بمشاركة 20 شابا من ولايات الوطن، إلى جانب تكريمات للمشاركين في العروض المسرحية في هذه الطبعة الأولى.
وتستمر التظاهرة في أربع ولايات هي وهران، العاصمة، سيدي بلعباس، وبسكرة إلى غاية 29مارس الجاري، يتم خلالها تكريم فرقة الڨاراڨوز التي أسسها كاكي عام 1958، كما تعرف هذا الأيام التكريمية لأحد عمالقة المسرح الجزائري صدور كتاب جمع لأول مرة يوثق المسيرة الفنية للفنان ويضم أربع مسرحيات من تأليف كاكي، وذلك بمساهمة من المسرح الجهوي بوهران.
یعتبر الفنان ولد عبد الرحمان “كاكي” أحد أبرز رجالات المسرح الجزائري الذین كرسوا حیاتهم لخدمة الفن المسرحي؛ حیث قدم الكثیر من الأعمال المسرحیة التي كان من خلالها یبحث عن الجزائري مسرح جزائري أصیلا شكلا ومضمونا، وظف فیه التراث وعناصره، وقد اعتمد في تجاربه سواء على مستوى الكتابة أو في مستوى الإخراج على استعمال الحیز الفضائي المستوحى من الحلقة كشكل شعبي، باعتبارها من الأشكال التعبیریة الواسعة الانتشار من جهة والراقیة الأسلوب من جهة أخرى.
ولد كاكي في حي ” تيجديت ” الشعبي بمدينة مستغانم، ومن نعومة أظافره نما على حب التقاليد البدوية، انضم في صغره إلى إحدى الفرق الكشفية، ثم أصبح بعد ذلك جزءا من فرقة مصطفى بن عبد الله عام 1950 حيث شارك في تدريب خدمة التعليم الشعبي من إخراج هنري كوردان.
أصبح كاكي أستاذا للدراما حيث أسس فرقة مسرحية سميت فرقة “القراقوز” التي اتخذ فيها أسلوبا جديدا للمسرح يختلف عما كانت تقدمه الفرق المسرحية الفرنسية وذلك من خلال دمج المسرح بالواقع الثقافي والاجتماعي الجزائري، وكانت بمثابة مختبر اشتغل داخل قبو عبارة عن ورشة للنجارة وسط مدينة مستغانم.
وانطلق رفقة مجموعة من الممثلين أمثال عبد القادر بلمقدم، محمد شويخ، مزاجة بلقاسم، مزاجة بوزيد، جمال بن صابر، محمد بن محمد، مصطفى شقراني و شقيقه معزوز ، في مغامرة فنية فريدة من نوعها ،أثمرت عن ميلاد فرقة ورشة مسرحية لإعداد الممثل ، وضع خلالها كاكي عصارة التجربة المسرحية التي اكتسبها.
انبهار أرنستو شي غيفارا
ومن أهم أعماله المسرحية المتميزة التي لا زالت تعرض لحد الآن مسرحية 132سنة، التي عرضت أول مرة عام 1963 بمستغانم وأعيد عرضها في الجزائر العاصمة في الذكرى الأولى لاستقلال الجزائر أين حضرتها شخصيات كبيرة على غرار الثوري ارنستو تشي غيفارا، حيث شكل هذا العرض المسرحي بداية سطوع نجم ولد عبد الرحمن كاكي كمؤلف و مخرج مسرحي بعد متابعة العرض المسرحي سنة 1963 في العاصمة من طرف أعضاء مجلس الثورة بحضور غيفارا الذي سجل التاريخ مقولته الشهيرة “يقولون أن لا يوجد مسرح عربي ولا جزائري، وأنا اليوم شهدت مسرحية ثورية من أداء شباب جزائري”.
كانت هذه اللحظة التاريخية بالنسبة لولد عبد الرحمن كاكي و أعضاء فرقة “القراقوز” بمثابة نقطة تحول التحقت الفرقة بالمسرح الوطني الجزائري بقيادة المرحوم مصطفى كاتب ومحمد بودية خلال تلك الفترة التي أنتعش فيها المسرح الوطني بوجود عديد الأسماء الفنية البارزة من ممثلين وممثلات، أمثال عبد الحليم رايس، كلتوم، فتيحة بربار، سيد أحمد أقومي، الحاج عمر، عبد الحليم رايس وعبد القادر علولة.
أخرج كاكي للمسرح الوطني مسرحيات ” بني كلبون “، ” شعب الليل “، ” الشيوخ “، ” أفريقيا قبل سنة “، ” ديوان القراقوز”، ” القراب والصالحين “، ” كل واحد وحكمه “..وغيرها من الأعمال، كما عين كاكي مديرا للمسرح الجهوي لمدينة وهران مباشرة بعد افتتاحه، و نال العديد من الجوائز منها الجائزة الكبرى بالمهرجان المغاربي الأول عام 1963 بمدينة صفاقس بتونس، كما نال الميدالية الذهبية بالمهرجان العربي الأفريقي تونس سنة 1987، والميدالية الذهبية بمهرجان المسرح التجريبي القاهرة عام 1989 مناصفة مع المسرحي العالمي بيتر بروك.
يصفه المسرحيون في الجزائر وخارجها بـ “أب الدراماتورجيا” بالنظر لغزارة الإنتاج المسرحي الذي قدمه الفنان تأليفا و إخراجا منذ خمسينيات القرن الماضي، أرسى خلالها قواعد ممارسة مسرحية حديثة ترتكز في مضمونها على أبرز المدارس العالمية لدى كبار المخرجين العالميين على غرار ” ستانيسلافسكي، قوردن كرايغ، مييرخولد، بيسكاتور وبريشت” حيث نجح ولد عبد الرحمن كاكي في المزاوجة بين الحداثة والتراث الشعبي الشفهي، طوع قصائد الشعر الملحون لصالح مشهدية احتفالية ونقل مشاهد التراث الشعبي، التي كانت تقام في الأسواق الشعبية والمواسم الدينية في شكل حلقات طقسية، على الركح وهي جميعها تطبيقات فنية جعلت من شخصيات تراثية مثل ( القوال، المداح، أو الراوي) تعتلي الركح الجزائري كما حلق عاليا في سماء المسرح.
اكتشاف المسرح العربي عبر كاكي
وتظهر أسباب توجهه إلى مثل هذه الأشكال في التعبیر الشعبي، محاولة منه تأصیل هذا الفن والحفاظ على تلك الأشكال المسرحیة التقلیدیة في الوقت ذاته، لیؤكد بذلك على أولویة المجالات الشعبیة عن الأشكال المسرحیة الغربیة، وقد استعمل لأجل خلق علاقة بین المسرح والجمهور، العرض الشعبي في مسرح الحلقة، مستعینا في ذلك بشخصیتي القوال والمداح، اللذان كانا لهما الفضل في إعادة الاعتبار لهذا الشكل الفني العریق، حیث یرفض الشكل الدرامي الأرسطي كمحاكاة لفعل مضى، ومحاولة إعادته إلى الحاضر بمشاركة الجمهور العاطفیة، كما یرفض أیضا سرد الفعل في العرض لمشاركة الجمهور العقلیة، حیث یستعین في بدایة عروضه المسرحیة بالمداح، الذي یؤدي وظیفة سرد الأحداث وروایتها، مع حرصه على نقل تلك الأحداث من الموروث الشعبي وإعادة تمثیلها من جدید.
تعد تجربة ولد عبد الرحمان كاكي في عمله المخبري الذي يسمى “ما قبل المسرح” من بين التجارب الأكثر نجاحا في اكتشاف نموذج لمسرح جزائري أصيل شعبي الجوهر نابع من أصالة وتقاليد هذا الشعب، حيث تستعيد الأشكال المسرحية الماقبلية أغاني المآثر الشعبية حيويتها، وتكيف للعرض المسرحي إذ خلص كاكي إلى إبراز اللغة المسرحية تتخذ هويتها وميزتها من التراث الثقافي الشعبي الذي يستلهمه، وتهذيب الوسيط الفني الملائم والمدروس الذي يوحي به في تأسيس وتأصيل خطاب مسرحي جزائري له شكله وقالبه الفني الخاص به.
لقد وظف ولد عبد الرحمن كاكي لغة محكية خاضعة لمنطق السرد أنها لغة تراثية مشحونة بالإيحاءات والرموز تفيد في تطوير المعاني والأفكار أكثر مما تفيد في التفسير والشرح، لقد اختار كوسيط ألسني اللغة العربية، كما تتكلم وتستعمل في أغنية المأثرة الشعبية وهي وسيط لم يجمد نحويا، فهي أكثر حرية، وغنى من ناحية المعنى إنه واع بانتمائه إلى ثقافة نسخية (أو تدوينية) فهو ابن الحي الشعبي “تجديت” لحفظه ذخيرة من الأساطير والحكايات والأشعار الشعبية.
صهر المسرح العالمي بالتراث الشعبي
وقد تمیز عن غیره من المسرحیین ببحثه الدائب عن تجربة مسرحیة أصیلة ومرجعیة شعبیة جدیدة للفن المسرحي مع احتفاظه بالتزاماته للمجتمع وقضایاه، ومسرح كاكي یكتسي طابعا فنیا كأداة فعالة للتوعیة والتثقیف على أساس أن المسرح مرآة المجتمع رغم الاختلاف مراحل تطور المسرح عنده إلا انه بقي محافظا على میزة أساسیة في كل أعماله والتي میزته عن غیره من الكتاب من أنه طبع المسرح بطابع خاص قبل وبعد الاستقلال وذلك باعتماده على المسرح الشعبي ومن هنا جاءت أعماله وشخصیاته من الواقع الاجتماعي القریب من المجتمع الجزائري حیث مزج في مسرحه بین الواقع والخیال من جهة وبین الممثل والجمهور من جهة أخرى.
وهو ما كان یصبو إلیه من خلال خلق علاقة فنیة بین الممثل والجمهور وربطهم برابط متین. ویمكن تحدید المراحل الفنیة عنده بمرحلتین بارزتین هما قبل الاستقلال والتي تتراوح بین الاقتباس والتألیف الفردي وهي مرحلة الاستیعاب وبعد الاستقلال وهي التي برز فیها ككاتب درامي متمیز بكتابته التي تكتسي طابعا جمالیا وفكریا والتي یمكن تسمیتها بمرحلة النضج والتجریب قصد التجدید والتأصیل.
لجأ كاكي إلى الثقافة الشعبیة واعتنى بالتراث الشعبي حیث كان اتجاه الكتاب المسرحیین إلى الأشكال الفرجویة الشعبیة محاولة لربط الشكل بالمضمون لیصلوا إلى حقیقة مسرح عربي یشعر من خلاله المتفرج أنه أمام خصوصیته من، خصوصیاته تمثله حق التمثیل وتستجیب لمطالبة واهتماماته من الاتجاهات كافة وعیه توجه إلى الأب الشعبي لدراسة تقنیات الاتصال لعروض الرواة قبل أن تمنعها السلطات الاستعماریة سنة 1955.
كما اهتم بالمسرح للتعبیر عن آمال وطموحات الشعب الجزائري. ومن هنا يُعتبر نص مسرحیة “132 سنة” لولد عبد الرحمان كاكي، نصا مرجعيا في المدونة المسرحية الجزائرية، ومحملا بالرمزية والأكاديمية؛ حيث نكتشف قدرة وتمكن كاكي من معرفة كواليس التاريخ وأبعاده وأهم الشخصيات الجزائرية الثائرة، وفي مقدمتها الأمير عبد القادر، ومراحل الكفاح والثورات، ومحاولات الفرنسيين طمس الهوية الجزائرية وزرع الخونة واستخدامهم في تحقيق مآربهم. وهي ذات طابع ملحمي ثوري ونضالي كما اهتم بالحكايات الشعبیة وأساطير القوال والمداح في الأسواق الشعبية والساحات العمومية وما ترویه من قصص الأبطال وبطولاتهم عبر التاریخ الإسلامي إلى جانب الأغاني الفلكلوریة إن استرجاع كاكي للغة المداح وفضاء الحلقة هي صيغة إبداعية معالجة للفضاء كمكان للعرض (تمثيل)، وتصوير الواقع.
تأصيل تجربة ” القوال “
وهذا الفضل يعود ويروي أحداثها، ويمثل معنى الأحداث والخاتمة وللحضور. وقد احتفظ كاكي بهذه العلاقة الحية ممثلون – متفرجون. بتأسيسه لوظيفة المداح المسرحية بوصفه عنصرا مثيرا للديناميكية بين الخشبة والجمهور.. وتجتمع كل هذه المحاولات في رأینا للتعبير عن حاجة إلى مسرح جزائري أصل.
وتعد مسرحية “القراب والصالحين” إحدى أهم مسرحيات ولد عبد الرحمان كاكي، وقد استلهمها من التراث ليعيد من خلالها ترسيخ بعض القيم السائدة في المجتمع العربي مثل الضيافة والكرم والدعوة إلى العمل، وقد ألفها كاكي سنة 1965 ونال بها الجائزة الكبرى لمهرجان صفاقس بتونس.
وتتناول مسرحية “دم الحب” التي قدمها “كاكي” في عام 1959 قصة حب بين عمر وجميلة اللذان قررا الزواج ليدخل شخص أخر صاحب مال في صراع مع عمر للزواج من جميلة لتنتهي القصة بجنون العروسة يوم زفافها.
ولد عبد الرحمان كاكي كان يرى في المسرح متعة جماعية، وحفلا جماعيا (يتهيأ) له الناس، وتطور المسرح الحقيقي يتمثل في النقاء. والمسرح الجزائري لا يمكن أن ينتهي بعدنا نحن التابعين، لذا ينبغي له كسب رواد جدد، وإعداد المسرح انطلاقا من الأكاديمية. وأنا واثق من أن المسرح الجزائري سيجني من هذه المبادرات ثمارا أتلفت شجيراتها في محاولات خلت.
ويكون هذا “الخروج” إلى الأكاديمية في جانب منه، خروجا إلى الممارسة الجديدة، وثورة على الروتينية، التي فقدت ضرورة وجودها، وحادت عما أصّله لها أصحابها الأولون، وتطلع لانتقال نوعي من المسرحيين الجدد، وأفكار جديدة في قلب المسرح وقالبه.
وكم هي كبيرة حاجتنا إلى المدارس المسرحية بجانب الممارسة! وهي آلية نوعية لتحسين المسرح وتهذيبه؛ إذ أراد عبد القادر ولد عبد الرحمان كاكي من مبادرته، أن ينقل الجامعيون والشبان وغيرهم، أكاديميا “إحساسا” جديدا للمسرح الجزائري، فتشتمل برامجهم على الممارسة (الهواية أو الاحتراف والركح الخام)، والمدارس (البحث العلمي والتكوين الأكاديمي والتعلم)، والنقد المتخصص (الرؤية الصحفية المتمكنة).
المدرسة الجزائرية ” الكاكية “
إن المسرح، حسب كاكي، لا يعني فقط “بحثا وتنقيبا وتمثيلا” و”كواليس” ومهرجانات ارتجالية، إنما المسرح دراية ودراسة متجددة، وكتب وملتقيات، وتحصيل علمي بالحصول على الشهادات العليا وامتلاكها، فالمسرح علم، والعلم مكانه المعاهد والجامعات، والغوص في حقيقة الفن الرابع عن قرب وبتجارب واقعية حية من المسرح التطبيقي ومن المسرح التجريبي معا، فالفراغ الأكاديمي المسرحي بمفهومه البحثي الاستكشافي التطوري والحي المطلوب منا جميعا في مواقع المسرح، يقضي على مبادرات علمية وعملية؛ إذ أصبحت الأكاديمية في بلادنا مرادفا – للأسف – لعلم التأريخ للمسرح أو في “أعلى درجة” منحصرة في سيميائية النظريات والمقاربات الدلالية.
ومن هنا يحق لنا القول إن هذا الفراغ الأكاديمي القاتل قد شارك في الوضع القاتم للساحة الثقافية المسرحية، فتولد لدينا مسرح ينتج “بروتوكولية” لا تحمل بذور الثقافة المسرحية ولا المعرفة التجريبية أو الجمالية مع تكريس مفاهيم مسرحية أكاديمية جافة”، حيث يقول كاكي: “تبقى الدراسات الأكاديمية العلمية في الميدان هي السبيل الوحيد لإبراز أعمال المبدعين ونشاطهم ومدى إلهامهم في بعث الحركة المسرحية والثقافية والفنية في البلاد”.
توفي ولد عبد الرحمان كاكي في 14 فيفري عام 1995 بمدينة وهران غرب الجزائر، مخلفا وراءه رصيدا مسرحيا لا يزال يشكل مصدر إلهام المسرحيين الجزائريين حيث اشتغلت عديد الجمعيات على إعادة إنتاج نصوصه، بينها جمعية الموجة، جمعية ولد عبد الرحمن كاكي، جمعية الإشارة، حيث شكلت مسرحياته مرجعية فنية في التكوين ناهيك عن مساحة الإبداع الواسعة التي توفرها مسرحيات كاكي على صعيد تنفيذ الرؤية الإخراجية التي تختلف من مخرج إلى أخر وفق تصوره.
كما توسعت تجربته المسرحية الغنية بالأشكال التعبيرية التراثية على يد أكبر المخرجين الجزائريين على غرار المرحوم عبد القادر علولة الذي عرف كيف يوظف عناصر الفرجة لدى ولد عبد الرحمن كاكي في قالب مسرحي في بعده السياسي و النضالي من خلال التركيز على الواقع الاجتماعي للمواطن الجزائري، و نفس الأمر ينطبق على المخرج المسرحي زياني شريف عياد من خلال العودة إلى تجاربه الرائدة على مستوى المسرح الوطني .
محمد عبيدو




