
شرع بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر ، اليوم الاثنين، في زيارة رسمية إلى الجزائر بدعوة من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون.
زيارة تاريخية تحمل أبعادا استراتيجية، ترسّخ رؤية إنسانية وروحيّة تقوم على تعزيز السلام العالمي، وتبرز دور الجزائر كفاعل رئيسيّ في مدّ جسور التعايش السلمي والحوار، حيث التقى على أرضها التراث الإسلامي والمسيحي والثقافات المتوسطية والإفريقية عبر العصور.
تندرج زيارة البابا في سياق إنساني وتاريخي، يعيد إلى الواجهة إرث التضامن الذي جسّدته شخصيات دينية مسيحية مع الجزائر، خاصة إبان الثورة التحريرية الجزائرية، مدافعين عن العدالة وكرامة الإنسان وحقوق الشعوب في الحرية والاستقلال، فكانت مواقفهم رمزا للتضامن الإنساني.
خلال سنوات الاحتلال الفرنسي للجزائر، برزت العديد من الأصوات التي يقودها رجال الدين المسيحيون الذين اصطفّوا إلى صوت العدالة والحرية، ووقفوا إلى جانب الشعب الجزائري في نضاله ضدّ الاحتلال الغاشم، حيث تجاوزت مواقفهم حدود الانتماءات الدينية والسياسية، رافعين راية الكرامة والإنسانية وحقِ الشعوب في الحرية والاستقلال.
لم يكتف هؤلاء بالتنديد، بل امتدت جهودهم إلى مبادرات فكرية وإعلامية متعددة، شملت مقالات وبحوثا، وتنظيم حملات توعوية، ونشر شهادات حول الانتهاكات التي كان يتعرض لها الشعب الجزائري. وقد ساهمت هذه الجهود في فضح ممارسات الاستعمار الفرنسي حول العالم.
وفي هذا السياق، برزت بعض الشخصيات التي تركت بصمة واضحة في مسار التضامن الإنساني.
محمد دوفال.. رمز التعاطف المسيحي مع ثورة التحرير
ليون إتيان دوفال (Léon Étienne Duval) واحد من أكثر الشخصيات تميّزا في التعاطف المسيحي مع الثورة الجزائرية، بصفته رئيس أساقفة الجزائر العاصمة، حيث رفض سياسة التعذيب والقمع التي مارسها الاستعمار الفرنسي ضد المدنيين والمجاهدين، ما نتج عنه تلقيبه بمحمد دوفال.
ليون إتيان دوفال الذي ولد بفرنسا عام 1903، وتوفي بالجزائر سنة 1996، تقلّد رئاسة أساقفة الكنيسة الرومانية الكاثوليكية في الجزائر ما بين 1954 و1988، وتمّت ترقيته إلى كاردينال سنة 1965.
أسّس دوفال نهجا أخلاقيا داخل الكنيسة، جعل من التضامن مع الشعب الجزائري واجبا يتجاوز الانتماء الديني، معتبرا الدين جسرا للسلام والكرامة وليس أداة للتمييز.
بعد الاستقلال، استمرّ دوفال في خدمة الجزائر، ودعا إلى السلام والتفاهم بين المسيحيين والمسلمين، مشددا على أن الكنيسة يجب أن تكون في خدمة المجتمع، وأن العدالة الاجتماعية واحترام حقوق الإنسان أساس التعايش الديني، كما أسّس مركزًا للدراسات الثقافية واللغوية ساهم في تعزيز فهم أفضل للتقاليد الإسلامية والجزائرية.
كلافري.. صوت العدالة والمقاومة
بيار كلافري (Pierre-Claverie).. صوت العدالة والمقاومة، ولد سنة 1938 بحيّ باب الواد في الجزائر العاصمة، كان شاهدا على جرائم الاستعمار الفرنسي، ما دفعه لحمل لواء نصرة القضية الجزائرية في سنواته اللاحقة، بعدما أصبح أسقف وهران، فعمل على توعية المجتمع الكاثوليكي بحق الشعب الجزائري في نيل حريته.
كان كلافري يندد علنًا بجرائم المستعمر، مؤكدًا أن الوقوف مع المظلوم واجب ديني وأخلاقي، تاركا أثرا واضحا في أفكار الأجيال اللاحقة من رجال الدين المسيحيين، الذين استلهموا من مواقفه روح التضامن والمساواة ونصرة المظلوم.
هنري تيسييه.. الذي رفض مغادرة الجزائر حتى في أصعب الفترات
يعدّ هنري تيسييه (Henri Tessier) واحدا من أبرز الوجوه المسيحية الذين كرّسوا حياتهم لخدمة الجزائر، ولد بمدينة ليون الفرنسية عام 1929، وعيّنه الفاتيكان راعيا للأبرشية الجزائرية في منتصف الخمسينيات، قبل أن يصبح أسقف وهران ثم رئيسا لأساقفة الجزائر من 1988 حتى 2008، وقد نال الجنسية الجزائرية عام 1966، مما يعكس ارتباطه العميق بالجزائر.
تميّز تيسييه بدعمه القوي للحوار بين المسيحية والإسلام، مؤكدًا أن الدين يجب أن يكون جسرا للتفاهم والأخوّة الإنسانية، لا مصدرا للانقسامات، رافضا مغادرة الجزائر حتى في أصعب فترات العشرية السوداء، ما عزّز قبوله واحترامه بين الجزائريين، كما كرّم بجائزة الأمير عبد القادر للسلام تقديرا لدوره في نشر ثقافة التفاهم والتعايش في الجزائر.
روبرت دافيزي الذي فضح التعذيب الفرنسي في الجزائر
روبرت دافيزي (Robert_Davezies) واحد من أبرز رجال الدين المسيحيين الفرنسيين، الذين انحازوا بوضوح للقضية الجزائرية خلال حرب التحرير، جامعا بين صفته ككاهن كاثوليكي وباحث في الرياضيات والفيزياء، وبين نشاطه السياسي المناهض للاستعمار.
ومع اندلاع الثورة الجزائرية، تحوّل دافزي إلى أحد الوجوه البارزة في التيار المسيحي التقدمي الداعم لحقِ الشعوب في تقرير مصيرها، فشارك سنة 1957 في نشر شهادات تفضح تعذيب الجيش الفرنسي في الجزائر، وهو موقف أثار جدلا واسعا داخل فرنسا، انخرط فعليا في شبكات دعم جبهة التحرير الوطني، خاصة ضمن “شبكة جانسون”، حيث ساهم في نقل الأموال وتأمين الاتصالات وتنظيم عبور المناضلين سرا عبر الحدود الأوروبية.
غادر فرنسا سرا قبل أن يعتقل سنة 1961 ويحكم عليه بالسجن بسبب دعمه للثورة، وظلّ متمسّكا بقناعاته، معتبرا أن التزامه الدينيّ يفرض عليه الوقوف إلى جانب المظلومين.




