محمد اسياخم، فنان المعاناة الجزائرية

ولد محمد إسياخم ، في السابع عشر من جوان سنة 1928، بمنطقة “جنَّاد” بتيزي وزو بمنطقة القبائل أین عاش مع أمه ثم رحل إلى أبیه بغلیزان و هو لم یتجاوز السن الرابعة من عمر، عايش الحروب والمجاعات ، ما ولّد عنده قلقا مزمنا وانفعالات حادة كما ازاد شعوره بالعزلة بعد مأساة فقدانه ليده اليسرى إثر انفجار لقنبلة بين يديه عثر عليها بثكنة عسكرية مهجورة تسببت في وفاة أختيه وطفل من عائلته حينها بقي محمد لمدة عامين بالمستشفى، إذ أجريت له عمليتان جراحيتان ، بعد الحادث اتجه للرسم ليباشر تكوينه في مجال الفن التشكيلي عام 1948 ، وتتلمذ على يد محمد راسم، حصل أمحمد إسیاخم على منحة دراسیة لمدة سنة وذلك في معهد إتیان التقني بباريس، أین التقى الفنان اسیاخم بشريكة حیاته الأولى” جورجیت كريستانبلكا” والتي أنجب منها بنت سنة 1951 والتي سماها سمیث كاتیا باتريسیا . كما أمحمد إسیاخم تعرّف بكاتب ياسين الذي كان يكتبُ روايته ” نجمة ” وعاش معه، ومع الكاتب مالك حداد، لسنوات في جنوب فرنسا. قبل أن يُسافر إلى ألمانيا. وقد قدر للفنان و كاتب ياسين أن يتعاونا في أعمال عديدة. فرسم اسياخم كثيراً من الرسوم التي زينت النسخ المطبوعة لأعمال صديقه، ورسم أيضاً لوحات مستوحاة من أعمال كاتب ياسين. ويكفي الإشارة هنا إلى لوحة (المرأة المتوحشة) ولوحة (إمرأة على قصيدة شعرية)، تلك التي حين أكملها اسياخم طلب من صديقه أن يقوم بتوقيع اللوحة، فتحايل عليه ياسين ولم يفعل ذلك. وتمكّن اسياخم من عرض لوحاته في باريس عام 1951م بقاعة “أندريه موريس”، لينضمّ بعدها إلى طلبة المدرسة العليا للفنون الجميلة بباريس في عام 1963م، بعد الاستقلال عاد إسياخم إلى الجزائر حيث ترأس ورشة الفنون التشكيلية بالمدرسة الوطنية للفنون الجميلة بوهران 1966-1964 ثم أصبح أستاذا بالمدرسة الوطنية للفنون الجميلة بالجزائر بين اعوام 1971-1968وعضوا مؤسّسا للاتحاد الوطني للفنون التشكيلية، ورسام بجرائد الجزائر اليومية ، وإلى جانب مشاركته في العديد من المعارض الوطنية والدولية من 1949 ، وحاز الكثير من الجوائز والميداليات التقديرية، من بينها جائزة الأسد الذهبي في روما عام 1980م. و جائزة المريشال بتان، جائزة المهرجان الدولي عن فيلم ‘’غبار جويلية’’ بالقاهرة وجائزة أحسن ديكور عن فيلم ‘’الصوت’’ للمخرج محمد سليم رياض، علاوة على فوزه بالجائزة الأولى في مهرجان الوحدة الإفريقية. كما توج بالميدالية الذهبية بالمعرض الدولي بالجزائر لأحسن جناح وشهادة الاستحقاق الوطني وجائزة لأحسن ديكور عن فيلم “وقائع سنين الجمر” وغيرها يعتبر إسياخم من رواد التجريدية في العصر الحديث، تعلم على يديه الكثير والكثير.
قال في حوار مع مجلّة الثّورة الإفريقيّة في ماي 1985 أنّ الرّسم لا يعني له شيئاً ولا يمكن له تعريفه لأنّه عالم عميق جدا وكلمة الرّسم في حدّ ذاتها كلمة واسعة وغامضة. أضاف أيضاً بأنّ البعض من الفنّانين يدّعون أنّهم يرسمون لأن ذلك يستهويهم، بينما هو لا يرسم لأنّه راغب في ذلك. الرّسم يؤلمه، يتعذّب حينما يرسم، قد يكون ذلك نوعا من “المازوخيّة” أو جلد للذّات.. وقال في هذا السّياق “لنفرض أنّني أرسم، لماذا أفعل ذلك! إنّ هذا يستدعي التّساؤل حقاً، أنا لم أجيء إلى الرّسم مثل الفنّانين الفرنسيّين، الإسبان والإيطاليّين، أولئك يذهبون إلى الرّسم بكل عفويّة وبساطة، فلهم معالمهم وتقاليدهم الفنيّة، ومعظمهم نشأوا في بيئات مثقّفة، وترعرعوا في الموسيقى والمسرح والفن.. هل تفهم ذلك؟.. أما فيما يتعلق بي، فأنا أعتبر الرّسم أكبر صدمة في حياتي، قد تكون أفظع من الصّدمة التي أدّت إلى بتر ذراعي”. لم يعتبر إسياخم أنّ الرّسم امتيازا أو ترفاً أبداً بل كان يعتبر تعاطيه للفن قدراً ومحنة كبيرة. لانّ الفنّان دوماً ما يجد نفسه وجها لوجه أمام ذاته، ذكرياته و فاجعته.
محمد إسیاخم كان له دور كبیر في تقديم العدید من الأعمال تجاه بلده الجزائر و في محاربة الاستعمار الفرنسي من خلال لوحات فنیة توحي بذلك، إذ أن كل لوحات محمد إسیاخم تحیلنا مباشرة إلى تجربته المريرة مع القهر والدمار ، كما كان له الفضل في تصمیم العدید من الأوراق النقدية من جمیع الفئات (5 دینار و 100 دینار و غیرها). تداولتها الجزائر بعملات رسمیة.
ترك “محمد إسياخم” بصمة في عالم الجرافيك والتصميم. كما اشتغل على غنائية التجريد، والعناصر ذات الإيحاءات المستمدة من الذاكرة التراثية الشعبية، ولوحاته تضعنا في قلب تجربة حياته المريرة مع القهر والعزلة والمرارة . كما أنّه دوماً ما يبرز اللونين الأزرق والبني في لوحاته بوصفهما لونين يؤكدان على انشغال متعب للحس وللذاكرة.
واشتغل “إسياخم” أيضا بالكتابة والصحافة ، كما ألف كتابه “35 سنة في جهنم رسام” عرض لملامح من تجربته الفنية والإنسانية، إلى أن توفي في بداية ديسمبر 1985م عن عمر يناهز 57 عامًا بعد صراع مع مرض السرطان.
محمد عبيدو




